منتدى الفراعنة

منتدى أ/سمير حماية

المواضيع الأخيرة

» السيرة الذاتية ...
أمس في 8:19 pm من طرف سميرحمايه

»  ملك النساء ...
السبت أكتوبر 07, 2017 4:33 pm من طرف سميرحمايه

»  ليه الفرحة غايبة ..
السبت أكتوبر 07, 2017 12:36 am من طرف سميرحمايه

» لوحة الشرف .......
الثلاثاء أغسطس 29, 2017 11:42 am من طرف سميرحمايه

» الأسد والثعلب
الثلاثاء أغسطس 22, 2017 8:51 pm من طرف سميرحمايه

» اكلي لحوم البشر
الإثنين أغسطس 21, 2017 3:58 am من طرف سميرحمايه

» خواطر ساميرية
الجمعة أغسطس 04, 2017 10:35 am من طرف سميرحمايه

» الحمار والثعلب قصة قصيرة
السبت يوليو 15, 2017 5:10 pm من طرف سميرحمايه

» طالوت ملكا..تأليف سمير حمايه..المشهد الاخير( المنظر الاول)
الإثنين يونيو 19, 2017 7:54 pm من طرف سميرحمايه

التبادل الاعلاني


    مارش الغروب د.يوسف ادريس

    شاطر

    سميرحمايه

    عدد المساهمات : 1011
    تاريخ التسجيل : 29/10/2010
    العمر : 48

    مارش الغروب د.يوسف ادريس

    مُساهمة من طرف سميرحمايه في الخميس نوفمبر 24, 2011 2:55 pm

    كانت دقات "الصاجات" تخرج صاخبة زاعقة و على دفعات كهد ير الديك الرومي ، و كنت تستطيع أن ‏تسمعها من بعيد حتى إذا ما وصلت إلى كوبري شبرا البلد عثرت على مصدرها.. على بائع ‏‏"العرقسوس".‏ كان رجلا ً مسناً كمعظم بائعي "العرقسوس" و يرتدي زيهم التقليدي .. فوطة حمراء قديمة نظيفة لفها ‏حول وسطه ، و فانلة "بمبة" بأكمام ، و لاشيء غير هذا يستر الجسد خلا السروال الطويل الذي يترك ‏الساقين عاريتين . ‏

    و كان للبائع لحية طويلة و لكنه لم يكن سنياً ، كان واضحاً انه يطلق لحيته كنوع من "عياقة" الكبار، ‏أو ليحيط نفسه برهبة مصطنعة ، أو على اقل تقدير ليوفر ثمن حلاقتها كل يوم .‏ كان واقفاً في وسط الكوبري تماماً و هو و إبريقه يكادان يسدان الطريق ، فالإبريق كان ضخماً قديماً و ‏كأنه هو الآخر عجوز مقعد كتب على البائع أن يحمله فوق صدره مدى الحياة، و كانت له " بوز" ‏رفيعة ممتدة و ملتوية عند أخرها و كأنها يد العجوز التي عوجها الشلل حين تمتد لتستجدي .‏

    و كانت يدا الرجل مدلاتين خلفه و يده اليمني لا تكف عن دق" الصاجات " ، و يخرج صوتها له ضجة ‏و صراخ. و كان يدق على دفعات كل دفعه دقتين متتاليتين ثم يصمت برهة، و يعود إلى الدق و يقول " ‏يا منعنش " و كان ينطق " منعنش " بلهجة لا " نعنشة" فيها و لا حماس، فالدنيا كانت شتاء، و ‏الشمس غابت من هنيهة، و الكون يعبق بذلك الجو المريض الذي يتبع مغرب الشمس و يسبق حلول ‏الظلام. و كان الناس يمضون فوق الكوبري صامتين مسرعين.. في إسراعهم كآبة يوم يموت، و برودة ‏شتاء. ‏

    كان الناس يمضون و لا أحد يلتفت إلى البائع أو تسترعيه دقاته، فالدنيا شتاء، و من يشرب ‏‏"عرقسوس" في الشتاء ؟ من يفكر حتى في فتح فمه أو التلكؤ لأخذ شفطة ؟!‏ و رغم هذا استمرت الصاجات تعمل و تهدر "بزعيقها" المتوالي، و كلما حدق البائع في الكون و رأى ‏الناس يختفون من حوله و يتسربون و كأنما تبتلعهم مخابئ سرية.. و كلما رأى الجرح المدمم الذي ‏أحدثته الشمس الغائبة في السماء حين اخترقتها إلى عالم الظلام.. كلما رأي هذا، قصرت المسافة بين ‏الدقات و أصبح صوتها أعلى و أكثر حدة، و انطلقت حنجرته تعضد الدقات و تقول يا "منعنش"، ‏تقولها حنجرة متقلصة مثنية على نفسها و كأنما انحنت تستخلص" منعنش " وهي عاصية في قاع ‏حنجرته لا تريد أن تخرج، فالإبريق كان لا يزال راقداً فوق صدره كالمصيبة الثقيلة، و لا يزال ممتلئاً و ‏كل ما باعه منذ الصباح كان لم يتعد بضعة قراريط لا توقد مصباح و لا تغمس لقمة.‏

    و الدقائق تمضي بسرعة، و الوقت يتسرب تسرب الناس كأنما أصابه البرد هو الآخر.‏ و تدق "الصاجات" عالية صاخبة هستيرية تريد أن تتحدى و تستوقف الأسماع، و الظلام يتكاثر و ‏تصبح له دنيا كبيرة، و برد السماء يطبق على الأرض، و الناس يصغرون و يصغرون، و كل شيء ‏تصبغه رمادية زرقاء و يبرد و يصبح لا حياة فيه. و تزأر الحنجرة يا"منعنش"، و تخرج "منعنش" ‏حادة تكمل صخب الدقات، و بين كل آن و آن يقول : يا كريم سترك و يمد الكاف و كأنه يصنع منها ‏حبلاً رفيعاً يمده حول الكوبري ليوقف الناس و يتبعها بسترك مقتضبة خارجه من الصدر و كأنما ‏يسترضي الناس بعد هديرة و يصالحهم بها.‏

    و الناس رائحة غادية "ميتانة"، "سقعانة"، ناشفة، وجوههم شاحبة فيها غضون، و عيونهم ذابلة ‏فيها شتاء و لا يريد أحد – رغم وجوده في وسط الكوبري – أن يلقي عليه نظرة.‏ و أطلق الرجل يا "منعنش" و أتبعها بيا كريم سترك، و أطلقهما عاليتين صاخبتين مدويتين ‏كاستغاثات أخيرة لسفينة تغرق .‏

    و أيضاً لم يلتفت أحد.‏

    و الوقت يمضي و المارة يقلون و السماء تزداد إطباقاً على الأرض و عالم الظلام يكبر و يكبر و الجرح ‏الذي في السماء يلتئم و تذهب حمرته و شفقه و الناس يتحولون من كائنات إلى أشباح.و بدأت دقات ‏‏"الصاجات" تنخفض و لم يعد الرجل يقول يا "منعنش" كان فقط يردد يا كريم سترك و كان يقول يا ‏كريم متضرعاً يقولها لكل شيء حوله للأرض و السماء و عربات "الكارو" و حتى لصاحب "الغرزة" ‏الجالس هو الآخر يرتعش و يستعد للرحيل.‏ و كان ما في صوته من ضراعة ينتقل إلى نحاس "الصاجات" فتخرج الدقات متتابعة في نغم و على ‏دفعات و لكن فيها بحة و كأنه يرجو الناس فقط أن ينظروا إليه..فقط ينظرون إليه و لا يشترون ..لماذا ‏يزورون عنه يشيحون بوجوههم يتهربون و كأنهم يفرون من واجب ثقيل ؟ ماذا عليهم لو فقط يلتفتون ‏؟

    و لم تفلح الدقات و لا أفلح النداء في جلب نظرة.‏ و هنا كست وجه العجوز تكشيرة طيبة فيها يأس و تهدل حاجباه فوق عينيه في عتاب صامت و كانت ‏يداه لا تزالان مدلاتين خلفه و لكن الدقات همدت حدتها و تباعدت و أصبحت كدقات قلب المشرف على ‏الموت تسكت طويلاً ثم تبرق فجأة و كأنها تقاوم الفناء و بين الحين و الحين يلقي الرجل نظرة على ‏القراريط التي باعها و آلاف القراريط التي لم يبعها ثم يتمتم من بين شفتين ترتجفان بالبرد : يا كريم ‏سترك.‏

    و ظل الرجل واقفاً هكذا و كأنما ينتظر شيئاً ما، معجزة تحدث و تفرغ الإبريق و تملأ جيبه. ثم خفت ‏القدم و خطى الكوبري على يرزق و لم يرزق ووقف على جانب يحدق في الأرض و السماء و الأضواء ‏البعيدة و القريبة و لاشيء يحدث و لا معجزة تهبط.‏ و هبط عليه يأس كامل فارتفع حاجباه المتهدلان و مضت التكشيرة إلى غير رجعة و انبسطت ملامحه ‏و بدأت الدقات المتباعدة تتباعد و تتآلف و لكنها اتخذت طابعاً غريباً.. ‏

    قلم يكن لها ضجة الهدير المتتالي الذي يشبه صراخ الإوزة المذعورة. تآلفت الدقات و صنعت نغمة ‏أخرى .. نغمة خافتة راقصة حزينة .ظل الرجل يدق بيديه دون وعي، و تخرج النغمة دون وعي أيضاً، ‏تخرج هامسة تتستر بالظلام و لا أحد يسمعها حتى فطن الرجل إلى ما تحدثه أصابعه فأنصت برهة و ‏ابتسم و رفع حاجبيه و كأنما أعجبته النغمة و جاءته على الوجع فأوغل فيها و مضى يضبطها و ‏يسنها و هو الخبير بدق "الصاجات" حتى استحالت إلى همسات فيها بحة تخلع القلب و ترهف ‏الأنفاس و أطربته النغمة إلى الدرجة التي راح يهز رأسه هزات خفيفة وقورة على وقعها ثم ما لبث ‏الاهتزاز أن وصل إلى شعيرات ذقنه فأخذت تتأود و تتراقص.‏

    وقف طويلاً يرمق الناس و الدنيا بلا مبالاة تامة و يده اليمنى تهمس بالنحاس إلى النحاس، و الطرب ‏قد وصل إلى الإبريق و "بوزه" فاخذ يرتعش هو الآخر و يتمايل و لا أحد يسمع سواه و هو منتش لأن ‏أحدا لا يسمع سواه و لا أحد يلتفت إليه و النغم يخرج حنوناً دامعاً حلواً في سكون المساء.‏ ظل واقفاً إلى أن أحاله الظلام المتكاثر إلى شبح من الأشباح.‏

    ثم بدأ الرجل يتحرك مروحاً في اتجاه شبرا البلد تحرك بطيئاً يائساً مثنياً إلى الوراء و يداه خلفه و "الصاجات" تدق و هو يتحرك على وقع نغمتها ‏الهامسة كل خطوة بهمسه ..همسة موجوعة ثكلى.. وكل خطوة بدقة ..دقة ناعمة فيها شجن و يذوب ‏شبحه في الليل حتى يختفي تماماً و لا تعود الأذن تسمع سوى همس النحاس إلى النحاس و هو ‏ينخفض و يشف و ينخفض.‏ و الدنيا كبيرة كبيرة، و الظلام كثير كثير.‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 18, 2017 7:43 am