منتدى الفراعنة

منتدى أ/سمير حماية

المواضيع الأخيرة

»  قصص اخرى متنوعة
الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 11:56 am من طرف سميرحمايه

»  قصص مصحكة ...
الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 11:30 am من طرف سميرحمايه

»  قصص متنوعة ومختلفة
الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 10:55 am من طرف سميرحمايه

»  قصص فيها ذكاء
الإثنين ديسمبر 11, 2017 3:12 pm من طرف سميرحمايه

»  قصص متنوعة ومختلفة
الإثنين ديسمبر 11, 2017 3:05 pm من طرف سميرحمايه

»  قصص فيها حكمة
الإثنين ديسمبر 11, 2017 2:54 pm من طرف سميرحمايه

»  قصص عن الجن 2
الإثنين ديسمبر 11, 2017 2:48 pm من طرف سميرحمايه

»  قصص عن الجن
الإثنين ديسمبر 11, 2017 2:37 pm من طرف سميرحمايه

»  قصص قصيرة فيها حكمة وموعظة 2
الإثنين ديسمبر 11, 2017 2:29 pm من طرف سميرحمايه

التبادل الاعلاني


    الإتصال الجماهيري في مصر الفرعونية *

    شاطر

    سميرحمايه

    عدد المساهمات : 1027
    تاريخ التسجيل : 29/10/2010
    العمر : 48

    الإتصال الجماهيري في مصر الفرعونية *

    مُساهمة من طرف سميرحمايه في الأحد نوفمبر 27, 2011 8:43 am

    لا تختلف حضارة مصر القديمة والفرعونية من ناحية إكتشافها لوسائل (الإتصال الجماهيري) وإستخدامها، كثيرا ً، عن حضارة وادي الـرافـدين، إذا لم نقـل أنها أكثر تطـوراً ووضوحا منها.
    فبين أيدي المختصين اليوم آلآف (البرديات)، وهو الورق الخاص المستخرج من قصب البردي والذي إكتشفه المصريون ليرسموا عليه ويدونوا أفكارهم وفلسفتهم، إلى جانب أن مصر القديمة الفرعونية خلفت لنا مئات المعابد الحجرية الكبيرة، والمقابر المدفونة في أعماق الجبال، والتي لا يمكن الصول إليها إلا عبر أروقة طويلة مزينة الجدران بالكتابات الصورية الهيروغلوفية.
    ربما إسلوب الكتابة المصرية (الهيروغليفية) المعتمدة على الصور المنقوشة على جدران المعابد وعلى المسلات وجدران المقابر، وهذا الكم الهائل من المنحوتات الكبيرة الحجم، كانت من أبرز وسائل الاتصال الجماهيري في مصر القديمة. هذا إلى جانب النصوص الصلواة والأدعية والترانيم ، والنصوص الأدبية، القانونية، العلمية، الطبية، والدينية المكتوبة على أوراق البردي (البرديات). فقد كان زوار المعابد يقرأون التعاويذ ونصوص الصلاة والمدائح كلما دخلوا إلى المعابد المنشرة في طول البلاد وعرضها، ومن شمالها إلى جنوبها.
    إن الشواهد الحجرية والرخامية الهائلة الحجم ما زالت ماثلة أمام أعيوننا إلى يومنا هذا، بحيث أن آلآف الزوار من مختلف أنحاء العالم يتوافدون على مصر ويقفون أمامها و:انهم أمام عرض تلفزيوني، او صحيفة تاريخية هائلة، او كتاب مفتوح بكل وضوح امام الزمن. وإذا ما كانت التماثيل الحجرية الهائلة والمعابد الضخمة والمحفورة في أعماق الجبال أحيانا، لا تنتشر بسهولة ولا تقوم بوظيفتها إلا أذا توجه إليها الناس، فأن الأخبار في مصر القديمة كانت تنتشر بسهولة وبشكل واسع من خلال (البرديات).
    كما أننا لو تأملنا الديانات المصرية القديمة، وتوقفنا عند هذا الكم الكبير من الآلهة المصرية الذي يربو عددها على (الألفين) كما يذهب إلى ذلك عالم المصريات الفرنسي (بيريه)، فاننا سنتحتاج بكل بساطة إلى عدد من (الدعاة) الذي يقومون بمهمة (الدعاية) و (الإخبار) و(الإقناع) و(الإعلان) لهم، أي أننا ، وببساطة، نفترض وجود منظومات كاملة من (المؤسسات الإعلامية) التي كانت تقوم بهذه المهمات، وتقوم بفعل (الإقناع) وترسيخ (الهيمنة) الفكرية والدينية للفراعنة والآلهة على الشعب، كما انها تشكل الوسيط بينهم وبين الشعب.
    وإذا ما راجعنا تاريخ مصرالفرعونية، وتوغلنا في تفاصيل الحياة الآجتماعية والدينية والسياسية فيها، لعرفنا أن (الديانة المصرية قد تخلصت منذ زمن مبكر – قبل أي شعب آخر من الشعوب المجاورة أو غير المجاورة- من طابعها البدائي ومضت قدماً نحو التوحيد الإلهي ووصلت إلى أرقى التصورات العقلية فيما يتعلق بطبيعة الإله الخالق وعلاقة الخالق بالمخلوقات والثواب والعقاب وما بعد الموت). ولم تمر هذه (التحولات) بدون (دعاية) و(ترويج) و(علاقات عامة) و(إعلان) و(حرب نفسية) و(وسائل إتصال جماهيري) لممارسة التأثير المطلوب ولتوصيل الأفكار الجديدة والمستحدثة لنشرها بين الناس أو للوقوف أمام الهجمات الفكرية المعادية. لاسيما حينما نعرف أن مصر الفرعونية كانت مقسمة لوجهين هما: (الوجه القبلي)، والذي كان يضم حوالي (22) أثنين وعشرين إقليما، و(الوجه البحري)، الذي يضم حوالي (20) عشرين إقليماً. والغريب أن (برت إم هرو) في كتابه (كتاب الموتى الفرعوني – مكتبة مدبولي- القاهرة 2000) يشير بأن (التطابق بين عدد الآلهة الذين يشتركون في فصل (المحاكمة) وعدد الأقاليم المصرية دفع إلى القول بأن كل إقليم كان يُمثل بإله في محاكمة المتوفي. لكن جمهرة علماء المصريات الآن لا يعتقدون بصحة هذا القول وما زال تحديد عدد الآلهة بإثنين وأربعين إلها سراً مستغلقاً).
    لقد ذهب بعض علماء المصريات إلى إعتبار متون الإهرام والتوابيت جزءاً لا يتجزأ من (كتاب الموتى) يشرح في وحدة متكاملة تطور الفكر المصري الديني حيال مشكلة "الموت" بإعتبار أن الهدف من جميع النصوص هو تزويد المتوفي بكل ما يمكن من زاد فكري في رحلته الشاقة والعسيرة إلى السماء أو إلى العالم الآخر.
    وإذا ما كانت الكتابات المصورة المرسومة داخل المقابر تظل مغلقة وخاصة بالمتوفي لتحميه كتعويذة، فأن الكتابات المصورة (الهيروغليفية) التي تتزين بها جدران المعابد هي رسائل يومية دائمة للناس، وهكذا ظلت على مدى قرون من الزمان، ويمكننا أن نتصور تأثيرها في المتلقي حينما نجدها اليوم، رغم مرور آلآف السنين، بكل هذا التنسيق اللوني.

    تاريخ الأُسَر الفرعونية المصرية

    يؤكد (سيريل ألدريد) في كتابه الشهير (الفن المصري القديم – مشروع المائة كتاب – القاهرة 1990) بأن ( العالم مانيتون، رئيس كهنة هليوبوليس في القرن الثالث قبل الميلاد، بتكليف من الملك "بطليموس الأول"، بكتابة تاريخ مصر، مقسماً الحقبة التاريخية - منذ توحيد مصر السفلى والعليا تحت حكم "مينا" أول الفراعنة، وحتى غزو الإسكندر لمصر سنة 332 قبل الميلاد- إلى واحد وثلاثين أسرة. وبالرغم من أن تأريخ مانيتون لم يصل إلينا، إلا أن القائمة التي أعدها بأسماء الملوك وسنوات حكمهم احتُفظ بها، وأستخدمها كتاب التقاويم من المسيحيين الأوائل. كما يقتبس منها المؤرخون المعاصرون ما يناسبهم، ويقبلون طريقة مانتيون في ترقيم الأسرات، لأنها كما يبدو تمت وفقاً لتقليد قديم جداً. كذلك تحروا أسماء الفراعنة في الأعمال الإغريقية المتوافرة). وكان (مانيتون) كاهناً مصرياً في معبد (سمنود)، وكان من أشهر الكهنة علماً بتاريخ بلاده، وأكثرهم معرفة بأصول العقائد المصرية ونشأتها، وأبرعهم في فهم اللغة المصرية، وأكثرهم إلماماً باللغة اليونانية. وقد كلفه بطليموس الأول، ويقال الثاني ايضا، بكتابة تاريخ مصر، فأستقى مصادره مما كان في المعابد وإدارات الحكومة من وثائق. وللأسف فإن تاريخ (مانيتون) الأصلي فُقد أثناء حريق مكتبة الإسكندرية، ولم يصلنا إلا مقتطفات من ذلك التاريخ نقلها المؤرخ يوسف (أويوسيفوس) اليهودي ضد ما كتبه (أبيون) والذي رمى فيه اليهود بالعديد من النقائص والعيوب ووصل إلينا من تاريخ(مانيتون) جداول بأسماء الملوك والأسرات التي قسمها إلى ثلاثين أسرة.

    الكثير من علماء المصريات يؤكدون بأن تاريخ مصر المتقدم على الألف الأول قبل الميلاد غير متفق عليه، وبالأخص في الفترات الأكثر قدماً وإضطراباً. إلا أن مؤرخو العصور الحديثة أعادوا تقسيم الأسرات الواحدة والثلاثين، التي حددها مانيتون، تبعاً لفترات زمنية أطول سُميت عصوراً، لكل عصر منها نمط حضاري متميز، ويفصل بين هذه العصور فترات غامضة يسودها عدم الإستقرار السياسي.
    وقد تم تقسيم هذه العصور أحيانا تقسيماً (سياسيا)، ففي الدولة الحديثة يُطلق على الأسرتين التاسعة عشر والعشرين (الرعامسة) نسبة إلى (رمسيس) لتسمية معظم ملوكها بهذا الأسم. وفترة حكم (أخناتون 1356-1339 ق.م.) تُسمى (فترة العمارنة)، نسبة إلى (تل العمارنة) التي كان (أخناتون) قد إتخذها عاصمة لحكمه. ويُطلق أيضتاً، في العصر المتأخر، على الأسرتين السابعة والعشرين والحادية والثلاثين إسم العصر الفارسي، نسبة إلى حكامها الذين غزوا مصر وضموها لإمبراطوريتهم. لكن مهما تكن طبيعة التقسيم لتاريخ مصر القديم فأنه لحد كتابة تاريخ
    (مانيتون)، في حدود 280 ق.م. فانه يمتد على مدى 3168 سنة ق.م. أي ما يقارب خمسة ألاف وأربعمائة وخمسون عاما. وحينما نتحدث عن (مصر القديمة) فأننا نعني (مصر الفرعونية)، أي ما يعود بنا إلى أكثر من ثلاثة ألاف وخمسمائة سنة ق.م. تقريباً.

    تاريخ مصر الفرعونية يؤكد لنا بأن المصريين القدماء إستخدموا (الدعاية)، (الشائعة)، الحرب النفسية، والأعلام الجماهيري، بكل ما تعنية هذه المصطلحات من معنى في علوم الإتصال، السياسة والإجتماع المعاصرة.
    لقد إرتبطت (الدعاية) عندهم ب(الدين)، بما يعني كل ما له علاقة بالموت والعالم الآخر، أي (الميتافيزيقيا) من جهة، وب(المجتمع)، اي الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي المباشر، أي (التحريض) و(التعبئة) خلال الصراع السياسي والأخلاقي والعسكري، بل وقد إرتبط (الدين) نفسه ب(السياسة) ، من حيث أن تركيبة المجتمع من الناحية الطبقية يحتفظ لرجال الدين من كهنة واتباع بمكانة مرموقة ودور في السياسة والسلطة بمصر الفراعنة. بل يمكن القول بأن (الكهنة) كانوا هم رجال الإعلام والفن في ذلك الزمن الموغل في القدم، فها هو (سيرسل ألدريد) في كتابه الآنف الذكر، يؤكد ( إن "كبار المصممين" في الدولة القديمة كانوا من كبار كهنة "بتاح" في منف....وفي المعابد الكبرى تأسست "الورش الفنية" لإنتاج التماثيل ومختلف أنواع الإنتاج الفني للأغراض الكهنوتية، للإرتباط الوثيق بين الكهانة والفن، الذي كان واضحا في الدولة القديمة، حيث كان كبير الحرفيين هو نفسه كبير كهنة "بتاح"، وقد إستمر هذا الإرتباط على مدى التاريخ المصري القديم).
    المصادر التاريخية المتنوعة حول مصر الفرعونية تؤكد بانه في حوالي الألف الرابع قبل الميلاد إنقسمت مصر إلى مملكتين: الأولى مملكة الشمال أو مصر السفلى (الوجه البحري)، والثانية مملكة الجنوب أو مصر العليا (الوجه القبلي)، وان عصر الأسر الحاكمة قديماً بدأ بنجاح أول حاكم عرفته مصر، وهو الملك "مينا"، الذي قاد الحرب لتوحيد المملكتين، وأسس عاصمة جديدة للدولة الموحدة أسماها (الجدار الأبيض) أو كما سميت فيما بعد (منف) والتي كانت قريبة من خط إلتقاء المملكتين. وقد إستمر لكل من الوجهين القبلي والبحري وجود مستقل، ولكنهما متحدان في شخص الملك المقدس.
    ورغم الإختلاف في الطبيعة الجغرافية للوجهين، إلا أن لغة القطرين واحدة، إلا انه كانت هناك صعوبة على ما يبدو في فهم النوبيين على الحدود الجنوبية للغة أهل الدلتا في الشمال، ولكن اهم شيء هو ان البيئة الثقافية للقطرين كانت واحدة، وكذلك مفهومها للدين كان متقارباً، وهذا ما أدى إلى إزدهار الحضارة المصرية وإتسامها بالحيوية. وقد وصلتنا دلائل على النشاط السياسي الذي قاده الملك (مينا) كمؤسس لمصر الفرعونية، مؤسس الأسرة الأولى، من خلال بعض الأعمال الفنية النادرة.
    ويتوقف (سيريل ألدريد) في كتابه (الفن المصري القديم) عند إنجازات الأسرتين الأولتين من ملوك مصر قائلاً: (فتحت قيادة الفرعون – التجسيد البشري الحي للإله – أصبح لمصر حكومة مركزية تضم شطري الوادي في دولة زراعية...وفي نفس الوقت تطورت الكتابة حيث ظهرت الحاجة لتسجيل البيانات ونقل المعلومات والأوامر إلى الجهات البعيدة. وأصبح التعليم والفكر والتأمل من متطلبات المناصب الدينية الكبيرة. ففي منف وهليوبوليس مثلا قام رجال الدين بتمحيص وتطوير المعتقدات الدينية القديمة لتلائم الوضع السياسي الذي إستجد بعد تحقيق الوحدة السياسية للبلاد).
    والحقيقة أن أهم ما يميز الحضارة المصرية هو التداخل الكبير بين الفن والدين والكتابة، فالكتابة الهيروغليفية، كما جاء في كتاب (الفن المصري القديم – وزارة الثقافة- هيئة الاثار المصرية- القاهرة 1990) ل(سيريل ألدريد) : ( هي أجمل نمط من أنماط الكتابة عرفه الإنسان، وقد يكون إحساس المصريين لاجمال النابع من عاطفة دينية راسخة في نفوسهم، هو السبب في دقتها – وخصوصا في النقوش الأثرية – على مدى التاريخ الفرعوني. وكانت لكل مرحلة ثقافية كبرى إسهامها الخاص في تجميع ورسم وحفر العلامات، كما لم تكن هناك نهضة فنية في مصر إلا وكانت مصحوبة بنهضة موازية في إسلوب الكتابة الهيروغليفية.......والرموز الهيروغليفية فريدة في المعلومات التي تنقلها، لأنها تعطي إنطباعات فورية مستخدمة في ذلك المنظر الجانبي للشيء في العادة، وبذلك ُتعبّر عن الصوت والمعنى المطلوب في وقت واحد. بل إن مصممي الرموز في الصناعة الحديثة عجزوا عن إبتكار علامات رمزية تفوقها في التعبير عن المعنى والأناقة والوضوح. وقد تطورت الهيروغليفية في البداية عندما رسمت علاماتها على أوراق البردي أو الأواني الخزفية بإستخدام الريشة أو الفرشاة، وبعد ذلك أصبحت ُتحفر على الخشب والعاج أو تحفر حفراً بارزاً أو غائراً..... ومن النادر ألا نجد الأعمال الفنية المصرية خالية من النقوش المصاحبة التي توضح المشهد أو نصف الفعل أو تحدد أهدافه وتذكر أسماء من قاموا به، حتى التكاثيل التي ُأعتقد أنها مستقلة بذاتها، ثبت أنها تماثيل غير كاملة، ولا تمثل أحداً ما دامت غير مصحوبة بنقش).
    ويبدو أن طبيعة الكتابة المصرية كان له تأثير كبير على تطور الفن المصري، وهذا ما يؤكده الكثير من الباحثين ايضا الذين يرون أن تطور سجل النقوش الهيروغليفية جاء متزامنا مع فن التصوير الفرعوني .
    والمهم أيضا في هذا الأمر هو أن "كبار المصممين" في مصر القديمة، كانوا من كبار الكهنة، وكما جاء في كتاب الباحث (سيريل ألدريد) بانه (وصلت إلينا بعض التوجيهات التي أصدرها الملكان (منكاورع) و(ساحورع) لتأثيث قبور بعض رجال الحاشية المقربين، وهي توجيهات تظهر مدى مسؤوليتهم عن هذا العمل. ومن أمثلة ذلك التكليف الذي أصدره (ساحورع) إلى كبير الكهنة بعمل بوابة دخول مزدوجة من أحجار طره الجيرية لقبر كبير الأطباء الملكيين. بل إنه قد ُخصصت إحدى قاعات القصر الملكي نفسه لإتخاذها "ورشة فنية" ليتسنى للملك "ساحورس" بنفسه متابعة الإنجاز اليومي للعمل وإعطاء تعليماته بشأن التلوين).
    ويبدو أن كهنة مصر القديمة لم يكونوا فنانين عباقرة فحسب وانما كانوا من كبار الإعلاميين وعلماء النفس والإجتماع والسياسة أيضا. ولعل أقدم من تخلد أسمه من بين أولئك الرجال العظام، كما يؤكد العالم (سيريل ألدريد): (ولعله أعظمهم جميع، وهو بلا شك من عباقرة المصريين في كل العصور، والذي يُعد بحق مؤسس الثقافة المصرية، والذي قدسه المصريون بإعتباره إله الحكمة والفلك والهندسة وفوق ذلك الطب – ذلك الرجل هو الوزير "إيمحتب" وزير "نترخت" "زوسر" أول حاكم عظيم من حكام الأسرة الثالثة).
    لقد قام هذا المهندس الفنان، في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، ببناء أثر حنائزي، إهرام وملحقاته، يعُد من روائع الفن المعماري، وصار مصدر إلهام للمهندسين المصريين من بعده، لاسيما في عصر الأسرة الرابعة التي بنت الإهرامات الشهيرة الموجودة حاليا في الجيزة، وكذلك عند الأسرتين الخامسة والسادسة ايضا.
    يؤكد علماء تاريخ مصر القديمة بأن تولي الأسرة الخامسة لمقاليد الحكم كان نقطة تحول في البيئة الحضارية للدواة القديمة. فقد تصادف أت تغيير الأسرة كان بسبب إنقراض خط الذكور من عائلة الملك (سنفرو)، ىخر ملوك الأسرة الرابعة، ولم يكن نتيجة لإنقلاب أو ثورة ضد النظام. لذلك ظلت هيبة (الفرعون) الإلهية محفوظة، إلا أن مركزية الدولة خفت، كما لم يعد شغل وظائف الدولة العليا قاصراً على أعضاء الأسرة المالكة. وأدى ذلك إلى أن أصبح الفرعون أقل تحكما وسيطرة على مقاليد الحكم عما عليه الحال في عهدي الملك (زوسر) والملك (خوفو).
    ومع نهاية حكم الأسرتين الخامسة والسادسة تنهي مرحلة مهمة من تاريخ مصر، حيث إبتدأ مع الأسرة السابعة وحتى العاشروة ما يسمى تاريخيا ب(العصر الوسيط). ويبدو أن سقوط الأسرة السادسة كان فجائيا وتاماً، ويرجع العلماء سبب ذلم إلى تدهور سلطة الفرعون المطلقة، وإنهيار موارد الدولة بسبب إقطاع الأراضي والإعفاءات الضريبية، وتحول الدخل وملكية الأراضي إلى ذوي النفوذ بمدن الموتى المتمركزة حول الإهرامات الصامتة.
    ومع الأسرة السابعة وصولا إلى العاشرة، وهي العصر الوسيط الأول، تفتت مصر إلى عدد من الولايات ذات الطابع الإقطاعي، وكما يذكر (سيريل ألدريد) : ( ومن مصادر مبهمة وفي مدونات هزيلة وصلت إلينا إشارات إلى ظهور عصابات نهب من الغوغاء الجوعى باحثة عن الطعام في المقاطعة الأخرى الأحسن حالاً. ووجدت أكثر من إشارة إلى وجود حالات أكلوا فيها لحوم البشر...وأنعكس أثر ذلك على الثقافة فظهر نوع جديد من الأدب التشاؤمي، كما إنعكسي على سلوك الحكام المحليين الذين أخذوا في التباهي بقدراتهم التنظيمية وسواعدهم القوية التي مكنتهم من حفظ الحياة على السكان والمواشي والمحاصيل..وقد أخذ واحد منهم هو (منتوحتب الثاني) أمير طيبة على عاتقه مهمة الحفاظ على النظام الفرعوني، فتمكن خلال الفترة الطويلة التي حكمها من التغلب على منافسيه، وتوحيد مصر مرة أخرى تحت حكم الفرعون. وبدأ فراعنة الأسرة الحادية عشر من "آل منتوحتب" يبسطون نفوذهم كغزاة فاتحين..وقد إستمر حكمهم لأربع أسر تقريبا، حتى جاء "الهكسوس"، وهم قبائل آسيوية غزت مصر ).
    ومن المؤكد بالنسبة لنا أن كل هذه التحولات السياسية الهائلة، وعلى مدى قرون من الزمان كانت تتجسد من خلال كل أنواع الدعاية، وكل ألوانها، ومن خلال الحرب النفسية، وإستخدام الشائعات، ناهيك عن كل أشكال الإتصال الجماهيري المتجلية في تلك المراحل البعيدة من التاريخ. ومن المؤكد أن هناك من كان يقوم بهذه المهمة، سواء كانوا في ذلك الزمان من الكهنة أو القادة العسكريين أو من الوزراء أو سعاة البريد أو الكتاب.
    العالمة المختصة بتاريخ مصر (كلير لالويت) تذكر في كتابها الضخم ( طيبة أو نشأة إمبراطورية – منشورات المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2005) إسم الكاتب (آمن إم حات) حيث تقول: ( كان آمن إم حات كاتباً مجداً، شغل مناصب " المشرف العام على بيت الوزير (أوسر) ومدير كافة ممتلكاته". كما كان " الكاتب الذي يحصي غلال آمون في شونة الإله، ورئيس هيئة موظفي آمون". كان مولعاً بالتعرف على أنسابه، فدوّن في مقبرته أسماء والديه وجده وجدته وزوجتيه. وبذل في هذا العمل عناية ودقة تشهدان على مدى إرتباطه بأسرته. إن مقبرته رقم 82 في القرنة، من المقابر النادرة في الجبانة التي زُخرف فيها حجرة الدفن. كان على ما يبدو، رجلاً قوياً مخلصاً لسيده الذي يشيد به في نص صيغ بإسلوب منمق، وهو أشبه بتمرين أدبي لكاتب موهوب. ففي نظر المصري القديم، كان جمال النص أو المشهد المصور، على حد سواء، يتألف في المقام الأول من التوازن الصارم لعناصره المكونة والتوافق والإنسجام التشكيليين والسمعيين للعبارات. تحدث قائلاً: انا خادم ورفيق مخلص لسيده، وصاحب قلب بارع ينـّفذ ما يقوله. لقد وضع بيته بأكمله في معيتي. إن صواب ختمه يعود إلى نصائحي. أنا إنسان فطن، عند إعداد حصر بممتلكاته، ساهر على حسن إدارة أشغاله).
    وفي ثلاث فقرات منظومة يبدأ (آمن إم حات) في إستعراض الأنشطة المواتية للوزير (أوسر) في خدمة الملك والآلهة والبشر: ( إن عمدة المدينة، الوزير أوسر، يؤدي الطقوس الشعائرية، من أجل الكا الملكي الحيّ على مدار كل يوم من الأيام. إنه يرفع ماعت نحو سيده، (ماعت) التي ما برح صاحب الجلالة يحبها، في كل لحظة من اللحظات. ففي كل ساعة من الساعات، يشار إلى إفعاله المباركة.
    إن عمدة المدينة، الوزير أوسر، يؤدي ما تنشده الالهة جمعاء. إنه يخلق القوانين التي تؤسس القاعدة ويشيّد المعابد وينظم قرابينها ويورّد أطعمتها ويقدم لها ماعت التي ما برحت تحبها.
    إن عمدة المدينة، الوزير أوسر، يؤدي كل ما يرغبه الشعب، ويستشير الرقيق الحال والمقتدر، على حد سواء، ويحمي الأرملة التي بلا عائلة ويلطف قلب العجوز الطاعن في السن. ويقيم الصبية على مقعد الآباء، ويسمح أن تظل البلاد بأسرها في سلام). وبعد ذلك، تروي ست فقرات منظومة الأعمال البارعة والبنّاءة التي قام بها الوزير بمشاركة (آمن إم حات).
    كما أن (كلير لالويت)، في كتابها الآنف الذكر، في المجلد الثاني منه والمخصص لتاريخ (طيبة)، وبالتحديد تاريخ الأسرة الثامنة عشر، وهي من أزهى عصور مصر القديمة، والتي حرصت المؤلفة على ترجمة النصوص مباشرة عن أصلها المصري، تذكر إسما مهما آخر، هو (آنتف) الأمير والموفد العظيم: ( إن المقبرة رقم 155 في جبانة دارع أبو النجا تخص " آنتف، أمير مدينة ثني ورئيس كافة الواحات وكبير موفدي الملك وحامل أختام ملك مصر السفلى وكاتب الحسابات". وفي هذه العائلة، كانت وظيفة الكاتب يورثها الأب إلى إبنه أو إلى أخيه، ولكن كان (آنتف) على ما يبدو، ممثلها الأكثر شهرة. إننا نعرف الأنشطة الهامة التي كان يمارسها هذا الشخص بفضل لوح حجري كبير، هو من مقتنيات متحف اللوفر في الوقت الراهن.... إنه النبيل، الأمير، حامل أختام ملك مصر السفلى والصديق الأوحد وكاتم أسرار الملك في قيادة الجيش والذي يجمع القضاة والجنود ويحصر الأصدقاء ويتقدم النبلاء ويصطحبهم ويُقيم كبراء البلاط الملكي في أماكنهم. إنه أقوى الأقوياء ومرشد ملايين البشر ورئيس أرقى الوظائف وأرفعها. إنه صاحب المقعد الأول والحاذق والمحنك في حضرة (صاحب الجلالة) والذي يسجل كلمات الشعب، ويبلغ عن أوضاع الشاطئين واحوالهما ويتبادل أطراف الحديث في المكان السري، ويدخل حاملاً عدداً من النباتات ويخرج محاطاً بالمديح...إنه يعرف ما في قلب العاهل الملكي، وهو لسان حال المقيم في القصر وعينا الملك وقلب سيد المقر الرسمي ومصدر التعاليم للبلاد بأسرها.....).

    فلو تأملنا التوصيفات التاليةSad مرشد ملايين البشر... الذي يسجل كلمات الشعب.... ويتبادل أطراف الحديث في المكان السري... وهو لسان حال المقيم في القصر... ومصدر التعاليم للبلاد بأسرها..) لتوارد إلى الذهب ان الشخص المعني هو وزير الإعلام في زمن الفرعون، أو رئيس الديوان ومسؤول التشريفات والمراسم الفرعونية، والناطق الرسمي بأسم القصر أو باسم الدولة الفرعونية. وهي تخصصات تدخل في صلب عمل رجل الإعلام.
    إن النصوص التي ترجمت من اللغة المصرية القديمة إلى لغاتنا المعاصرة تشير بكل وضوح إلى تطور كبير في مجال (الإعلام الدولي) و(الدبلوماسية الدولية)، ( فبعد أن اصبحت مصر تتمتع بالسيادة، على منطقة شاسعة، تمتد من البحر المتوسط شمالاً والفرات ولبنان والأردن في الشمال الشرقي وسيناء شرقا والنوبة وقسم من السودان حتى الجندل الرابع جنوباً، توقفت عن التوسع في فتوحاتها....فبعد أن جربت مصر قرنين من الإحتلال الأجنبي، وضعت نصب عينيها ضمان أمن الطرق الإستراتيجية والتجارية التي تربط آسيا بمصر،وتطوير قدراتها الإقتصادية من خلال السيطرة على شرق البحر المتوسط، وتدعيم سيطرتها على الثروات الأفريقية...وفي عام 1887، وفي تل العمارنة، العاصمة العابرة للفرعون أمنحوتب الرابع، الواقعة على مسافة 220 كك شمال شرق طيبة، عُثر على لوحات صغيرة من الطين دونّت عليها كتابات باللغة الآكدية والعلامات المسمارية، وهي عبارة عن المراسلات الإدارية والسياسية المتبادلة بن إمنحوتب الثالث، قرب نهاية عهده وعهد أمنحوتب الرابع، وبين كافة دول آسيا الكبرى وأمراء فينيقيا وكنعان. وفي العام 1906 وبينما كان د. هوجو وينكلر يقوم بأعمال التنقيب في بوغازي – كوي، البلدة الواقعة على مسافة 145كم إلى الشرق من أنقرة، وهي موقع خاتوسا، العاصمة القديمة لمملكة الحيثيين، اخرج الى النور عشرة آلآف لوحة صغيرة، مدونة أيضا بالعلامات المسمارية وباللغة الآكدية والحيثية... إن الآلاف من هذه الخطابات والوثائق الإدارية تشكل مصدراً رئيسا لمعرفة العلاقات الدبلوماسية، المعقدة في أغلب الأحيان، والقائمة وفقاً لظروف الدسائس التي يمكن أن نستشفها احياناً، من خلال المراسلات، والتعرف بإختصارعلى أشكال السلك الدبلوماسي ووسائلة في العالم القديم).
    إن الوثائق القديمة التي وصلت إلينا تكشف على أن السفراء لم يتوقفوا عن الترحال من بلاط ملكي إلى آخر، في طول الشرق الآسيوي وعرضه، ولكنهم لم يحملوا صفة السفراء المعتمدين، كما لم يكن لهم مقر ثابت، فيوفدون في كل مرة، في مهمة خاصة، ولا يقيمون في البلاط الأجنبي، إلا للفترة اللازمة، لإنجازها على خير وجه. وهذا يعني وجود علاقات إتصال دولية، ووجود ما نسميه اليوم ب(الإعلام الدولي).
    وتشير المصادر التاريخية إلى أن هؤلاء السفراء كانوا يكلفون بمهام متنوعة، وهي سياسية بطبيعة الأحوال كمفاوضات الزيجات أو القروض أو الأحلاف أو معالجة بعض قضايا السياسة الدولية. كما تعددت على نحو خاص مهام المجاملات: فيوفد (سفيرا) محمل بالهدايا لتحية أحد الملوك، بمناسبة إعتلائه العرش، أو عند زواج الملك أو تنصيب ملكة. (وفي مصر، كان هذا الحدث يذاع على رؤوس الشهاد في هيئة نصوص مدونة على جعارين، وكان شكلها الشبيه بشكل إله الفجر، يضفي على "النبأ" فاعلية سحرية تمهد لمصائر سعيدة. كانت تنتج بأعداد كبيرة، ومنها على سبيل المثال الجعران الذي يعلن زواج أمنحوتب الثالث من "الزوجة الملكية العظيمة تي"، ويقوم السفراء بتسليمها إلى كافة القصور الملكية في ذلك الزمان. وعند وفاة ملك، يقوم السفراء أيضا، بتقديم واجب العزاء إلى وريثه. وإذا مرض أحد الملوك، توفد بعثة لزيارته للإستفسار عن صحته. هكذا تشكلت مجموعة قواعد وأعراف رسمية. كان عدم الإلتزام بها يُعتبر عملاً فظاً، بل معادياً. فكانت ذات قيمة دولية. وتُكتب المراسلات في الغالب، باللغة الآكدية، وهي لغة بلاد آكاد، ومركزها بابل، منذ عهد حمورابي، الفاتح المشرع. وكان الأسلوب الدبلوماسي قد تحدد حتى ادق تفاصيله، ومجموعة الصيغ والعبارات لا تتغير ولا تتبدل. وفي عهد أمنحوتب الرابع، إحتج سوبيلوليوما ملك خاتي، بسبب عدم الإلتزام بمجموعة القواعد والأعراف الرسمية، غذ تغير الترتيب المعتاد لأسماء الملوك)، كما تذكر (كلير لالويت). أي أن عملية (الإتصال الجماهيري)، عملية الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور في وقت واحد، كانت موجودة أيضا، من خلال كتابة (الرسالة – الخبر) على أكبر عدد ممكن من الجعران وإرساله إلى الممالك والمدن والقرى والمعابد والقصور.

    ثورة إخناتون ..... أمنحوتب الرابع
    وإلى جانب (الإعلام الدولي)، عرفت مصر عبر تاريخها واحدة من أكبر الثورات الدينية، والتي رافقتها حملات جبارة من (الدعاية الدينية) و(الدعاية السياسية)، واقصد هنا ثورة الفرعون (إمنحتب الرابع) الذي غير ديانة مصر نحو الوحدانية، من (آمون) إلى (آتون)، وعلى أثر ذلك غير إسمه إلى (إخناتون). وقد كان ذلك في 1370 سنة ق.م.
    لقد ذكر (د. محمد عبد الرحمن مرحبا) في كتابه (المرجع في تاريخ الأخلاق – جروس بريس - لبنان - طرابلس 1988) بأن (الشعور الديني الخلقي عند المصريين القدماء قوياً جداً حتى أصبح أمراً لا تهمه تأدية الشعائر والمناسك بقدر ما يهمه طهارة وسلامة النية. وجاء التوحيد ليقوي هذا الشعور ويزيد إشتعالاً. فإن أمنحتب الرابع الذي خلف والده أمنحتب الثالث حوالي 1370 ق.م. قد غير إسمه من (إمنتحب)... إلى (إخناتون). لقد كان يريد إقامة دين عالمي يحل محل القومية المصرية التي سبقته والتي سارت عليها البلاد مدة عشرين قرناً. لقد كان ملكا يعتمد في دعوته على العقل والايمان بالعقل. (لقد أحرز إخناتون مكانته السامية بنفاذ بصيرته وحسن تدبيره وتفكيره، ثم نهض بنفسه علانية وقام في وجه جميع التقاليد ونبذها نبذ النواة ولم يلجأ في توطيد مذهبه الجديد إلى سلطات السطورة التي كان يلجأ غليها أسلافه، كما لم بعتمد على الروايات المتداولة العتيقة عن سطوة الآلهة، وانما إعتمد فقط على سلطان العقل والبراهين العقلية العتيدة مشفوعة بقوة الحكم. لقد جاء إخناتون في زمان غير زمانه، أو لعله لم يفهم زمانه لقلة خبرته بعمليات الإصلاح السياسي والإجتماعي. فقد كان حكمه مثالاً لسيطرة آراء الحاكم التي لم تحفل بحالة الشعب ولا تقيم وزناً لمدى إستعداده لقبولها..... ويسقط إخناتون العظيم سقوطا مريعاً يحوطه الغموض. لقد كان الكهنة أول المتضررين...فقد حمل إخناتون حملة شعواء على الكهنة الذين أفسدوا الأخلاق بالعوامل السحرية لضمان براءة الميت فيما بعد الموت وفضح دسائسهم. ولا بد أن الكثيرين منهم كانوا يكظمون غيضهم الشديد في صدورهم، الشديد في صدورهم، قد مزجوا سخطهم بسخط شرائح أخرى بأسرها من الباعة وأصحاب الحِرف الخانقين، كالخبازين الذين يكسبون عيشهم من بيع فطائر الشعائر خلال أيام الأعياد التي تقام في المعابد، وكالصناع الذين إنقطعت موارد رزقهم الذي كان يقوم على بيع تعاويذ الآ لهة القدامى عند أبواب الهياكل، وكالحفارين المرتزقة الذين أصبح ما صنعوه من تماثيل الإله (أوزير) مكدساً تحت الأتربة المتراكمة في مصانع صار عاليها سافلها، وكحجاري الجبانة اذين وجدوا ما صنعوه من شواهد القبور المزخرفة بالنقوش الزاهية المنقولة من (كتاب الموتى) أيضاً أصبحت تُعد إذذاك لعنة لمن يستعملها إذا كانت مملوءة بأسماء الآلهة القدامى، أو إذا كانت تحمل كلمة (الإله) بصيغة الجمع، وكالمشعوذين الذين حُرموا كل أسهم تجارتهم الخاصة بالإحتفالات السحرية التي كانت تُستعمل بنجاح منذ ألفي سنة، وكالجنود الأشداء الذين كانوا ساخطين على سياسة الملك السلمية في آسيا وعدم إهتمامه بإدارة أملاكه الإمبراطورية والمحافظة عليها...إن هؤلاء المتضررين وكثيرين غيرهم كانوا قوام الجيش السري الذي يعمل في الخفاء لثل عرش الفرعون العظيم... وكان فرح الكهنة بإسترداد سلطانهم فرحا عظيماً بطبيعة الحال. فبعد سقوط (إخناتون) لم يترك أعداؤه حجراً واحداً دون أن يقلبوه لإزالة كل أثر من آثار الحكم الممقوت بزعمهم)، كما فصل ذلك (برستيد) في كتابه القيم (فجر الضمير – منشورات مكتبة مصر – القاهرة 1956).

    وبنظرة متفحصة لثورة (إخناتون) العظيمة، سنجد أنفسنا أمام أسئلة لها بموضوع بحثنا، ألا وهي: كيف روج (إخناتون) إلى عقيدته الجديدة، عقيدة (آتون)؟ وما هي وسائل (الدعاية) التي إستخدمها لنشر أو (لفرض) هذه العقيدة الجديدة على مجتمع متحضر كالمجتمع المصري آنذاك؟ وما هي طبيعة هذه الدعاية؟ بل وما هي طبيعة الدعاية المضادة التي كانت تقاومه والتي وقفت ضده؟ وما هي الوسائل التي إستخدمت في ذلك؟
    نحن نعرف اليوم أن أعداء (إخناتون) أزالوا بحقد كل ما له علاقة به، وحطموا كل تماثيله، وشوهوا رسومه الجدارية التي لم يستطيعوا إزالتها، بل حاولوا محو إسمه من التاريخ والذاكرة، لكن ما نعرفه جيدا أن ثمة (دعاية) جبارة إستخدمها كلا الطرفين في الصراع، بل لقد إُستخدمت كل وسائل الاتصال الجماهيري والدولي، وكل أنواع الإتصال الممكنة والمعروفة آنذاك.
    لكن الوثائق التاريخية التي تتحدث عن أبيه (أمنحوتب الثالث) تكشف لنا الكثير عن الصراع في تلك الأزمان السحيقة. فقد ذكرت لنا المصادر التاريخية بأنه حوالي العام 1370 ق.م. تربع على عرش مصر المهيب صبي في الخامسة عشر من عمره تقريباً، لفترة حكم إمتدت لتسع عشر سنة، وكان الإبن الوحيد المولود من إقتران (أمنحوتب الثالث) بالملكة (تيى). وكما تذكر (كلير لالويت) Sad لقد طبقت شهرة ترانيم عهد أخناتون الآفاق وكثر الحديث عنها، دون معرفة حق المعرفة، في الغالب بالفكر الديني الذي سبقها). الوثائق التي بين يدينا تشير، كما يذكر علماء المصريات، بأن (الملكة تيى الزوجة العظيمة للملك أمنحوتب الثالث، كانت المحبوبة المفضلة وصاحبة فكر سياسي ثاقب. لقد إحتفظت التماثيل والنقوش بصورة لوجه تميل تقاطيعه إلى البروز، ووجنتاه ناتئتان وذقنه مدببة، وتتخذ في الغالب مظهراً أبعد ما يكون عن السماحة والرقة- إنها سيدة جليلة القدر.... وسرعان ما أحتلت الملكة مكانة مرموقة في الحياة السياسية. ولأول مرة تضمنت قائمة ألقاب الملك، إسم الملكة على النحو الآتي:
    العام... في عهد الملك أمنحوتب، والزوجة الملكية العظيمة تيى.
    لقد إستهلت عُرفاً، سيظل معمولاً به حتى نهاية الأسرة الثامنة عشر، ليختفي بعد ذلك ولا يعود إلى الظهور.) وكان تأثير الملكة (تيى) على إبنها الذي إستلم العرش وهو فتى مراهق كبيراً. ولكن لم يقتصر التأثير الأنثوي على (أخناتون) من طرف أمه فقط، وأنما من طرف زوجته الشهيرة (نفرتيتي).

    الآثار الباقية لدينا من التاريخ المصري القديم تشير بأن إسم (آتون) كثيرا ما كان يتردد في عهد (أمنحوتب الثالث). وتؤكد (كلير لالويت): ( لم يصل تأثير عبادة آتون، في حقيقة الأمر، إلى الديانة الرسمية فقط، ولكن أيضا إلى ديانة سواد الناس، فنشاهد، منذ ذلك العهد، في مقبرة رع موزا، التعريف الآتي للإله حور آختي، والذي ستستعيده نصوص تل العمارنة. إنه "النور الذي هو آتون"، والأمثلة من هذا القبيل كثيرة. ففكر أمنحوتب الرابع ليس ثورة، بل جاء نتيجة طبيعية لما يشبه عملية إختمار روحية، ربما سببتها طوحات كهنة آمون، أو جاء نتيجة ظروف سياسية جديدة، فكان الوضع يحتاج إلى إله واحد منفرد، يربط بلاد الإمبراطورية ربطاً، وكانت الشمس بأسمائها المختلفة، الإله المشترك لمجموع الأراضي الخاضعة للهيمنة المصرية).
    المصادر التاريخية تشير إلى أن (أخناتون)بدأ يرفع من شأن عبادة آتون في العام الرابع من حكمه، لكنه ظل يُجل الآلهة الأخرى ويبجلها. ( ومن المحتمل، على كل حال، أن كهنة آمون إذ إستشعروا إنحسار بعضٍ من سلطانهم، ربما أصابهم الفزع من جراء بعض المظاهر الجديدة، وأتخذوا موقفاً مناوئاً. ولكن كان لا بد من وقوع أحداث، على قدر كبير من الأهمية، تهدد سلطان الفرعون ذاته، وتقوض مُلكه، ليعقد العزم فجأة، على مغادرة طيبة، ويغير قسماً من قائمة ألقابه ويقضي على أسماء وصور إله الكرنك وغيره من الآلهة، فقام بتدميرها بالمطرقة تعبيراً عن تعصب قضى على الموروثات الدينية، الأمر الذي لم تعرفه أرض الكنانة من قبل. فلم يعد يُدعى أمنحوتب، بل أخناتون. وهجر عاصمة آبائه، وشيج مدينة جديدة، لتصبح مركز الحكومة والمقر الرسمي للعائلة المالكة، وتبعد 320 كم شمال طيبة وتقع على البر الشرقي لنهر النيل، واطلق عليها إسم آخت-آتون أي أفق آتون....ومن المحتمل أن الملكة تيى القوية القديرة، الدساسة، لم تكن بعيدة عن قرار مغادرة طيبة وعن المغامرة التي أقدم عليها أخناتون، ولكن كل ذلك، يفترض تداعبي أحداث لا حصر لها وإجتماعات تآمرية سرية نجهلها، فلا ندري عنها شيئا).
    ويبدو، حسب المصادر التاريخية، أن (أخناتون) أرسل رجالا يجوبون مصر من أقصاها إلى أدناها، ومن منف إلى النوبة، وقد أنُيطت بهم مهمة تدمير كافة المعالم الدالة على المعتقدات القديمة. فأغُلقت المعابد ودُمرت الصور المقدسة وتم الإستيلاء على ثروات الأماكن المقدسة ونُقلت إلى تل العمارنة. ( وإنتشر طواغيت اخناتون في جبانة غرب طيبة، ودخلوا إلى المقابر، عاقدين العزم بصورة منظمة، على إزالة الأسماء الإلهية بالمطرقة، اينما وجدت، وعلى رأسها إسم أمون. كان هذا الإضطهاد الديني، على نطاق واسع، ظاهرة غريبة غير مألوفة، وشاهداً على ما كان يكنّه أخناتون من كراهية تجاه طيبة وكهنتها.
    ما سبب هذه الغضاء؟ لا علم لنا. ولكن من المحتمل جداً انها تكشف عن (بعض الدسائس التي حاكها كهنة الكرنك، وربما مؤامرة ضد النظام الملكي)، كما تشير (كلير لالويت).
    ولم تكن ثورة (أخناتون) دينية فقط، فقد أثر بشكل مباشر على الأساليب الفنية في النقش والرسم والنحت في زمانه، فقد نزل بالفن من عليائه إلى الدنيا الواقعية، (فأفراد الأسرة الملكية لم يصوروا كأفراد مثاليين يعيشون في أبدية مثالية كالتي نراها في مجسمات مقبرتي "خع إم حات و خرو إف"، ولكنهم يعيشون كأفراد عاديين في دنيا عابرة جياشة بالعواطف والإنفعالات الإنسانية)، كما يشير (سيريل ألدريد).

    توت عنخ آمون والثورة المضادة
    عند وفاة (أخناتون) حوالي العام 1354 ق.م. تربع (سمنخ كارع) على عرش مصر. ويبدو أن
    (أخناتون) كان ميالاً إليه ويكن له إهتماما خاصا، حتى أنه قرب نهاية حياته جعله شريكا له في العرش. بعض الفرضيات تشير إلى انه كان زوج إحدى بناته. وعند وفاة (أخناتون) إختاره كهنة (آمون) ملكا على البلاد، (في حين يبدو أن نفرتيتي وزمرتها من التابعين المخلصين، قد نصّبوا توت عنخ آتون، ملكا في تل العمارنة.... ولمدة ثلاث سنوات، على ما يبدو، ظل توت عنخ آتون يقيم في تل العمارنة التي غادرها على ما يظن عند وفاة سمنخ كارع لينتقل إلى طيبة، بعد أن إستنكر علناً إيمانه بالإله آتون. إن خاتمين عثر عليهما في العمارنة، كانا يحملان منذ ذلك الحين، إسم توت عنخ آمون، أي "صورة آمون الحية" وليس آتون)، كما تشير (كلير لالويت).
    الغريب والمثير هنا، ان كل الوثائق التاريخية تؤكد وتشير إلى أن (توت عنخ آمون) كان عمره تسع عشر سنة عندما وافته المنية، بعد أن حكم مصر تسع سنوات. أي أن عمره كان عشر سنوات حينما إستلم عرش مصر، وقام بثورته المضادة لدين أخناتون.
    تشير (كلير لالويت) في كتابها الآنف الذكر (يبدو أن الإكراه وأساليب العنف التي عانت منها البلاد على إمتداد أربع عشر سنة، قد جعلت العبادات القديمة وكلها دون تمييز، تشد إليها، أكثر فأكثر، من ظلوا على إيمانهم بها، لتصبح أكثر جاذبية في نظرهم. وبطبيعة الحال، بقيت طيبة ومنف وهليوبولس، كبرى الأماكن المقدسة.... وأضطر النظام الملكي إلى أن يطمئن رجال الدين الآخرين ويقدم لهم كافة الضمانات. فكل عبادة محلية، بعد ان وفّر لها العاهل الملكي، كل الخيرات وكل الثروات، إنصهلات في نوعة تلفيقية شاملة، تدور حول شخص الملك لتضمن له من جديد، القوة والإستمرارية، مقابل المنافع والإنعامات التي مَنّ بها عليها. إن رد الفعل ضد التشدد والتعصب فضلاً عن العودة إلى المعتقدات إلتي تعود إلى آلاف السنين، إتخذت منحىً وجدانياً حماسياً. هكذا إستعاد رجال الدين إختصاصاتهم. ولكننا نفتقر إلى الوثائق التي تعرفنا بتشكيلاتهم. بل إننا نجهل إسم كبير كهنة آمون...كما لا يبدو أن الصبي توت عنخ آمون قد قاد حملات عسكرية، بالرغم من المدونة المسجلة على كتلة حجرية جاءت من الكرنك، وتصور أسرى نوبيين وجنود مصريين).
    إذن، نحن أمام حملة دعائية عنيفة ، مستمرة، وكثيفة، وحرب نفسية هائلة، وصراع عسكري وإجتماعي وطبقي شديد كان يتم ، بلا شك، من خلال رجال نطلق عليهم اليوم، رجال الإعلام، رغم أنهم في ذلك الزمان ربما كانوا كهنة، أو قادة عسكريين أو كتبة. وإذا ما اخذنا بنظر الإعتبار مستوى التطور في وسائل النقل والإتصال الجماهيري، لوجدنا أنفسنا أمام عمل دعائي وإعلامي جبار. لاسيما إذا ما عرفنا بأن عهد (توت عنخ آمون) عهد إنتقالي، عند نهاية إمبراطورية التحامسه، وقبل إمبراطورية الرعامسة، على وجه التحديد، التي إستشعرها حور إم حب ومهد لها)، كما تشير (كلير لالويت).
    بعد وفاة (توت عنخ آمون)، في ظروف ما زال البحث التاريخي يراها غامضة، إعتلى العرش (آي)، الذي كان موظفا قديما في خدمة (أخناتون)، وكان شريكا للفرعون- الصبي (توت عنخ آمون)، وربما كان هو الموجه الحقيقي لسياسته وثورته المضادة، وقد إتخذ من زوجة الفرعون الراحل زوجة له، رغم أن هذه الفترة التي حكم فيها (توت عنخ آمون) وخلفه (آي) الذي حكم لأربع سنوات فقط، تبقى غامضة قياسا لتاريخ مصر القديم. لكن بعده علا نجم أحد الأشخاص، الذي لم يكن وزيرا ولا كبير كهنة آمون، وانما قائداً عسكريا، ألا وهو (حور إم حب).

    شريعة حور إم حب
    كان (حور إم حب) ينتسب إلى عائلة أمراء من أقاليم مصر العليا، حيث يُعبد الأله حورس. ,إذ عاد على طيبة، بعد فترة حكم (آخناتون) في تل العمارنة، ظل في خدمة كل من (توت عنخ آمون) و(آي). وأضطر أن يقدم لكهنة آمون البرهان تلو البرهان على إنحيازه لأصحاب الإيمان القويم، ولكنه ظل على الصعيد السياسي ينظر على الدوام، بقدر من الريبة، إلى تطلعات كهنة الكرنك ومخططاتهم الطموحة. والشاهد على ذلك، أسمه الجديد: (حور إم حب) الذي يربطه بإله المدينة التي إنحدر منها، وليس بإله طيبة. وقد تزوج من أحدى بنات الأسرة المالكة. ويبدو أن ثمة مؤامرات ودسائس كان كهنة الكرنك يحوكونها من عهد (أخناتون)، الذي مات في عز شبابه ولم يحكم سوى تسع عشرة سنة، وموت خليفته، (سمنخ كارع)، الذي حكم لمدة سنوات أيضا.
    إن الوثائق التاريخية، وتأكيدات علماء المصريات، تشير إلى فترة (حور إم حب) إمتدت لخمس وعشرين سنة، أمسك فيها بالجهاز الإداري والعسكري، بل معه بدأت الملوك العسكريون يحكمون مصر، وكما تشير (كلير لالويت) في كتابها (إن نظرة حور إم حب السياسية الثاقبة، تتلخص بالفعل، في أنه أدرك، في الظروف القائمة آنذاك، ان زعيما محارباً فقط، في مقدوره الحفاظ على ما تبقى من الإمبراطورية المصرية. ولما لم يثمر زواجه عن إنجاب ولد، فقد قام شخصياً بإختيار من يخلفه، دون أن يستطيع كهنة آمون التدخل، فأختص بهذا المنصب الوزير والقائد العسكري با رعمسيس. وفي العام 1314 ق. م ، تربع رعمسيس الأول على العرش، ليصبح الأول من بين سلسلة طويلة من الفراعنة المحاربين الأشاوس المرهوبي الجانب).
    في فترة (حور إم حب) أو كما يلفظه الأستاذان (د. باهور لبيب و د. صوفي حسن ابو طالب) ب(حور محب)، تم إصدار أهم الشرائع القانونية التي نشرت العدل بين شرائح المجتمع المصري وطبقاته الفقيرة.
    ومثل حضارة بلاد وادي الرافدين كانت المعبد هو المركز الذي يلتقي عنده الناس، وبالتالي فأن أي وسيلة للإتصال بالناس كانت تتخذ من المعبد مكان للترويج وتأكيد الاتصال. وفي الحضارة المصرية القديمة، نجد أمثلة مهمة على ذلك. ففي (تشريع حور محب)، وهو كما يذهب الأستاذان (د. باهور لبيب و د. صوفي حسن ابوطالب) في كتابهما (تشريع حور محب – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1972) إلى أن ( حورمحب هو من أهم المشرعين في التاريخ المصري القديم........ تزعم حورمحب الذي كان قائداً للجيش، في عهد أخناتون وفي عهد من خلفه من الملوك، حركة سياسية وعسكرية ودينية، وقبض على زمام السلطة في البلاد مستغلاً إستياء رجال الجيش من السياسة الخارجية لإخناتون وخلفائه، والإستياء في صفوف كهنة آمون من قضاء أخناتون على ديانتهم، ومستغلاً في ذات الوقت إستياء الشعب من الفوضى التي ضربت أطنابها في البلاد، ومن الظلم الذي تفشى في أنحاء الدولة، ومن تحوله عن دينه القديم. من جراء ذلك كله إتخذ حورمحب، الذي كان من أفراد الشعب وملماً بكل رغبات وطنه وميولهم، وكان قد لمس وعرف كل نواحي الخلل والفساد في الدولة، ومن ثم إتخذ حورمحب مظهر الزعيم الشعبي، الذي جاء لإنقاذ البلاد من الظلم والفوضى، وفعلا بعد أن كسب رضاء كهنة آمون وتأييد الشعب وولاء رجال الجيش، إستطاع بحكمته وفطنته أن يجلس على العرش وأن يصبح فرعونا لمصر، على الرغم من أنه لا يمت بصلة إلى سلالة ملوك الأسرة الثامنة عشر....ولم يكن من سبيل أمامه لتصحيح هذا الوضع وإضفاء صفة الشرعية على توليه العرش سوى أن يتزوج أميرةً من أميرات البيت المالك، وفعلا تزوج من الأميرة موت نجمت ليضفي صفة الشرعية على تولي عرش مصر).
    أما فيما يخص تشريعه القانوني والمسمى بأسمه، فقد إكتشفه في العام 1882 العالم الأثري الفرنسي (ماسبرو)، وأهميته بالنسبة لنا، في حديثنا عن وسائل الإتصال الجماهيري في مصر القديمة، هو أن هذا التشريع قد نُقشت نصوصه على لوحة حجرية طولها خمسة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار، وسّطرت في 39 سطرا على واجهة اللوحة الحجرية وعشرة أسطر أخرى على كل من جانبيها الأيمن والأيسر، بجوار بوابة حور محب في معبد الكرنك بالأقصر.
    وقد وجد العلامة الأثري (لاكو) نسخة أخرى من هذا التشريع في جهة أخرى غير معبد (الكرنك)، مما يدل على أن الفرعون حورمحب تولى نشره على الشعب في أمكنة مختلفة مخصصة لذلك، وهي، كما يذهب الكثير من المختصين، ظاهرة معروفة في نشر القوانين في الحضارات القديمة، وكما ئؤكد (د. باهور لبيب و د. صوفي حسن ابوطالب) في كتابهما الآنف الذكر بأن (حور محب قد توخى من وراء نشر القانون عند بوابة المعبد بل وفي أكثر من معبد،
    أن يطلع على هذا القـانـون أكبر عـــدد ممكن من أفراد الشعب لأن المعـابد كانت أفضل الأمكـنة
    التي يؤمها عدد كبير من الشعب، فكان وضعها بهـذه الكـيفية وفي المكان بمثـابة وسـائل النـشـر
    الحديثة في وقتنا هذا).

    مع (الرعامسة) بدأ تاريخ الأسرتين التاسعة عشر والعشرين والتي إستمرت لأكثر من ثلاثة قرون. وكما يذكر (سيرسل ألدريد) في كتابه (الفن المصري القديم) الآنف الذكر ( بالرغم من أن ديار الرعامسة وأموالهم كانت في شمال مصر إلا أنهم إستمروا في الإهتمام بطيبة – مدينة "آمون" المقدسة – وتجميلها بمعابد عظيمة. كما إستمروا في نحت مقابرهم " بوادي الملوك". وكانت سياستهم الخارجية تقوم على دعوى سيادتهم للبنان وجنوب سوريا وهي سياسة ظلت مصر تمارسها حتى ظهور دولة الحيثيين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وتنازعت الدولتان سيادة هذه الأراضي وقبلت دولة الحيثيين التحدى فأحتلت الأراضي المتنازع عليها. وقامت بين الدولتين حروب غير حاسمة إستنزفت قواهما جميعا. ووقّعت مصر مع الحيثيين معاهدة لم تحصل بمقتضاها على شيء يذكر اللهم إلا ميثاق ينص على عدم الإعتداء والمساعدة المتبادلة بين الدولتين. والواقع أنه حدثت في هذه الفترة تحركات عرقية للإجناس البشرية، ربما بسبب المزيد من التغيرات المناخية مما هدد توازن القوى بالشرق الأدنى. فأنزعج الحيثيون لذلك وأضطرت مصر للتراجع إلى داخل حدودها. لذلك شهد عهد الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين فترة متقلبة لكنها حاسمة، أدت إلى تدهو في هيبة الفرعون ونقص خطير في موارد الدولة المالي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 2:48 am