منتدى الفراعنة

منتدى أ/سمير حماية

المواضيع الأخيرة

»  رواية الأوكتاجون
اليوم في 11:27 am من طرف سميرحمايه

»  حكم ونوادر
الأحد ديسمبر 09, 2018 11:28 am من طرف سميرحمايه

»  قصص فيها حكمة وعبرة
الأحد ديسمبر 09, 2018 11:13 am من طرف سميرحمايه

» البرنامج القانوني لعام 2019
الأحد ديسمبر 09, 2018 9:41 am من طرف sabra group

»  خواطر وحكم
السبت ديسمبر 08, 2018 9:02 pm من طرف سميرحمايه

» الدورات مؤكدة الانعقاد في القاهرة خلال شهري نوفمبر- ديسمبر 2018
السبت نوفمبر 17, 2018 8:04 am من طرف sabra group

» التحقيق والادعاء في مخالفات سوق المال
الأربعاء نوفمبر 07, 2018 2:31 pm من طرف sabra group

» أصول التحقيق في المخالفات الوظيفية وتوقيع الجزاءات التأديبية
الخميس نوفمبر 01, 2018 8:27 am من طرف sabra group

» الأساليب القانونية والوقائية لمكافحة غسل الأموال
الأربعاء أكتوبر 31, 2018 1:13 pm من طرف sabra group

التبادل الاعلاني


    كتاب مسرح خيال الظل مجموعة قصصية تأليف سميرحماية 1

    شاطر

    سميرحمايه

    عدد المساهمات : 1071
    تاريخ التسجيل : 29/10/2010
    العمر : 49

    كتاب مسرح خيال الظل مجموعة قصصية تأليف سميرحماية 1

    مُساهمة من طرف سميرحمايه في الأربعاء أكتوبر 31, 2018 9:31 am

    بطاقة مسرح خيال الظل
    -----------------------------------------------------------------------
    عنوان المؤَلَّف : مسرح خيال الظل
    المؤلِّف : سميرة حمايه
    التصنيف : مجموعة قصصية
    رقم الإيداع : 20780/2017
    عدد الصفحات : 130 صفحة
    رقم الإصدار الداخلي: 42
    تاريخ الإصدار الداخلي: 10/2017 طبعة أولى
    تصميم الغلاف والتنسيق: دار النيل والفرات للنشر والتوزيع
    -------------------------------------------------------------
    جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للشاعر، ولا يحق لأى دار نشر طبع ونشر وتوزيع الكتاب الا بموافـقة كتابية وموثـقة من الشاعـــر
    -------------------------------------------------------------





    الإهـــــــــداء

    خلف ذاكرة العشق تسكن قلوب المحبين.. تحت أسوارها أنا وأنت نفترش الأمل..
    نحدق في التاريخ

    سميرحمايه

    رؤية الناشر

    قراءه للمجموعة القصصية الحب المحرم
    للأديب سميرحمايه
    تقديم الروائي والقاص والناقد فؤاد نصر الدين

    يعرف الكاتب سميرحمايه بأنه كاتب شمولي. يكتب القصة. والقصيرة جدا والرواية والمقال وهذه الابداعات قلما تتواجد الأن في شخص واحد لأن هذه المقدرة الأبداعية تحتاج الي موهبة خاصة وقدرة علي التعبير وصيغ الأفكار الي فنون أدبية جميلة.
    وهنا هو يقدم لنا مجموعته القصصية (مسرح خيال الظل) كاشفا لنا عن نظرته الحياتية وعمق فكره في فهم الواقع وجاء ذلك من خلال أفكاره وشخصياته وبيئة حياته. وتلك النظرة الشمولية للحياة. حيث يقدم لنا أحداثا وشخصيات واقعية من واقع المجتمع الذي يعيش فيه ويصوغها لنا في أسلوبه الأدبي الرشيق فجاءت قصصه في غاية الواقعية في معظمها وفلسفية ورمزية في القليل منها ورومانسية وطبيعية وهي مذاهب أدبية عالمية يجيدها سميرحمايه جيدا ويعي مضامينها فهو يصوغ واقع الأحداث وبيئتها من خلال الريف والقرية والمدينة والشواطئ واصفا ماتلتقطه عينيه من صور جميله للأمواج والسماء والأزهار والحقول والأشجار وسجل ماهو جميل.
    واذا كان النقاد يقولون أن القصه القصيرة أصعب فنون الأدب وهي تحتاج إلي إسلوب رشيق وخيال واسع ودراسه نفسية كبيرة.
    وتغلغل في أعماق النفس البشرية ومخالطة جميع البيئات والطبقات الشعبية.
    فقد نجح الكاتب (سميرحمايه)في تقديم كل هذا في مجموعته (مسرح خيال الظل) . فحينما نقرأ قصة من المجموعه (عسل بطعم الصبار) نجده يمزج في فنية فنون الكتابة التي يمارسها في إبداعه ليقدم لنا قصة قصيرة بوصف مسرحي... هو لم يكتب قصة حوارية بل قدم وصفا وشكلا مسرحيا.
    يقول ((يبدو كل شئ في المكتب فوضوي فالجاكت علي الكنبة المواجهة للمكتب والتي يحيط بها اثنين من الكراسي. لا يوجد مكان يسمح للموكل بالجلوس سوي اثنين كرسي امام المكتب مباشرة تتوسطهما منضدة صغيرة))
    نحن نري المشهد وكأننا امام خشبة مسرح حتي أنه يلمح لنا ويقول بذلك حينما يقول ((وكأن سقف المكتب ستارة مسرح لخيالات مرئية تفتحها الذاكرة لتبدأ أحداث الفصول)) هنا يكشف لنا المؤلف أنه واع بما يكتبه. ثم يفاجئنا بأوصاف أخري خارج الحالة المسرحية. لينطلق بنا الي الطبيعة حيث نشاهد معه الإسترجاع (فلاش باك) لبطل قصته (عارف) وذكرياته بقريته التي ترعرع فيها ومن خلال القرية يقدم لنا حياة الأهالي والمزارعين في الحقول ومقاومة دودة القطن. وهم ينشدون الأغاني الشعبيه تلك التي لم ينسي المؤلف أن يسجل لنا منها بعض الابيات
    ((الليل.... الليل وغريب أبيت فين فايت علي دربكم..
    منديل طرف عيني
    أبكي علي حبكم
    ولا ابكي علي عيني.

    فكرة القصة بسيطه جدا وهي تحدثنا عن ذكريات المحامي (عارف) مع حبيبة صباه (أحلام) في القريه في فترة زمنية لم يحددها الكاتب الواعي بالساعة أو الدقيقة بل حدد الزمن القصصي بعمر السيجارة التي كان يدخنها (عارف)ولما أنتهت كانت أحلام وابنها كرم يجلسان امامه وقد جاءت احلام من اجل استخراج (اعلام وراثه)
    .. لم تكن احلام الواقفة أمامه. بل شبح أحلام. حيث نحل جسدها وأصابها بسهامه.
    .. الكاتب نجح من خلال فكرته البسيطه في تقديم شكل أدبي يمزج بين القصه والمسرح وأعتقد أنه كان يسعي الي ذلك وقد نجح فيه.
    في قصته (الحب المحرم يقدم لنا قصة عبر علاقة حب محرم كان من ثمرته طفلا. وعندما تواجهه المرأه بالطفل فينكر عليها فكرتها بالاحتفاظ به ويدور بينهما نقاش حاد.
    .. وأيضا هنا بساطة الفكرة ولكن (سميرحمايه)يصوغها باسلوب بديع واصفا البحر والأزهار برقته الشاعرية يقول ((كانت الدنيا واحة خضراءمثمرة.. مترامية الأطراف لا حدود لها.. فنري مبانيها الشاهقة... أشجار نرجس وياسمين... سماؤها عقود لألئ تتدلي وتزين جيدها. كل مافيها يرقص ويغني.
    .. هو هنا ينتقل بنا الي الطبيعة بجمالها وسحر عبر قصة (الحب المحرم).
    في قصة (الرسالة) أيضا يقدم لنا صوره من صور الخيانة في الحب. فالحبيب يهرب من حبيبته الأولي ليعيش ذات التجربة مع إمرأة أخري.
    وهنا يقدم لنا المؤلف صوره من صخب المدينة. ضوضاء السيارات. والازدحام. والأصوات. ليعبر لنا عن الحالة النفسية التي تعيشها البطلة العاشقة المخدوعة في حبيبها والتي قررت ملاقاته في الاسكندرية.
    والكاتب ينتقل بنا من صخب واقعي الي صخب نفسي. فهو يقدم لنا الحالة النفسية لهذه المرأه قائلا ((تركت كل الحياة......... عقلها الباطن استعمر عقلها الظاهر وانتصر عليه وتركه أسيرا ومقيدا مع المعقول في قيود (اللامعقول)ان سمير حمايه يثبت لنا أنه علي وعي شديد بما يقدمه لنا من خلال هذه القصص. فهو يتجول بنا في مدن الحياة الانسانية ليقدم لنا صراعاتها المختلفة وأشكالها المتباينة. بل هو يقدم لنا أزمة الانسان المعاصر في مجتمع الكذب والخداع والغش والفساد والقتل كما في قصته (مسرح خيال الظل)التي بدأها بجملة عندما قتل الأستاذ عبدالحميد بواسطة زوجته وعشيقها.........
    ... فالكاتب سميرحمايه يقدم لنا في مجموعته القصصيه (مسرح خيال الظل ) نماذج من الكتابة الفنية الإبداعية في رشاقة وبراعة ومهارة. معبرا من خلاله عن ثقافته وقراءاته ومعايشته للحياة كما يجب أن تكون الحياة.
    وهو من خلال المجموعة يثبت أن القصة ليست فقط فكره تدور حولها الأحداث والشخصيات. بل أيضا من لغة شاعرة أحيانا وفلسفةأحيانا أخري.
    في قصته (نسر الشرق) يقدم لنا حكاية العلاقات الإنسانية عبر الشبكة العنكبوتية للنت فعلي الفيس بوك تتعرف (هدي) علي أحد الرجال سمي نفسه باسم مستعار علي الفيس بوك هو (نسر الشرق) وتشعر المرأة بأنه كالنسر لو حلق حول فريسة لا تخرج من بين أظافره وقد وقعت المرأة في حبه عبر النت ثم راحا يتبادلان العلاقات الجنسية الافتراضية التي أشبعت المرأة المحرومة من المتعة الحقيقية رغم زواجها. وعاشت علي النت أمتع اللحظات بكل الأهات والتأوهات التي لا تجدها في واقعها المعاش مع الزوج.
    وحينما اتفقا علي تحويل اللقاء من افتراضي الي واقعي. اختلفت رؤية الرجل. فهو وسيم جسيم وهي نحيفة وضعيفة وليست بجميلة كما كان يتخيلها فاستأذن منها ليختفي الي الأبد. أصيبت المرأه بصدمه عصبية أدخلتها المصحة لتحكي للطبيب المعالج.
    تلك القصة واقعيه وتحدث للكثيرين من خلال النتائج السيئة لإستعمال النت وخاصة الفيسبوك.
    القصة بلا شك معالجه نفسية من واقعنا الحديث عبر الجهاز الإلكتروني وشبكة النت.
    وتستمر هذه المجموعة القصصية المشوقة والممتعة بقصصها الهادفة الحياتية والتي انتقاها الكاتب من الحياة.
    مجموعة تستحق القراءة والدراسة النقدية الأكاديمية.

    فؤاد نصر الدين
    الأسكندرية
    في 19 مارس 2014

    الخروج من الدائرة...

    نعيش في واقع مر مرصوف بالطامعين واللصوص ومسقوف بالمغفلين والجبناء... نسير بين الدروب الموحشة تظللنا الغيوم والسحب... هربت الشمس من فخ دنيانا وتركت لنا الظلام يخرج لنا لسانه ويصطادنا بشباك أشباحه... دموع وجراح... فقراء تتلوي بطونهم من الجوع.. وأطفال افترشوا الأتربة والأرصفة سكنا لهم... إن نمنا لا نصحوا إلا على همس أشباح المجرمين... مطية لهم نحن.. ودماءنا أنهار ترويهم... يقيمون مواكبهم علي اتراحنا.. يحتفلون ويرقصون علي جراحنا... يتلذذون بأوجاعنا...
    في غفلة منهم حاولت ان أهرب أتنفس تاركا مواكب أفراحهم.... قادتني قدماي الي درب موحش خلا من كل مظاهر الحياة
    وكأني في مدينة أموات و وقدماي تتعثر بالجماجم البشرية وأيادي طويلة تخرج من شقوق الارض لا أعرف ماذا تريد.. هل تطلب المساعدة أم أنها تحاول أن تأخذني وتهوي بي في باطن الأرض... صراخ.. عويل... وإذ بي أجد رجلا رث الثياب.. طويل اللحية.. يرسم دائرة ويحدث نفسه ثم يضحك بقهقهة عالية... أقتربت منه في فضول وقلت له... السلام عليكم
    رد في فتور... أي سلام يأتي من أهل الكلام... ؟
    قلت له... ماذا تقصد....
    قال... انتم أناس يذكرون السلام كلاما لا فعلا... تحيتكم السلام بالكلام وباطنكم الشر واللعنة.
    أصغي اليه في صمت وذهول وبادرته... ماإسمك ياسيدي .....؟
    ضحك بصوت عالي وصدي صوته يكاد أن يزلزل قدماي.. إنتابتني رعشة ولكن حاولت التماسك وقلت له لماذا تضحك أنا أسألك عن اسمك....
    نظر لي نظرة بسخرية وقال... أتعجب من سؤالك.. ؟
    قلت له... أي سؤال انا أـسأل عن أسمك... ؟
    نظر لي بعينين جاحظتين وقال... ماتسأل عنه فقدته منذ زمن... ولأول مره أتذكر انه كان لي يوما إسم..
    عاد مره أخري يرسم الدائرة علي الأرض ويبتسم... ثم قال... لم يعد بي حاجه لإسمي وقد نسيته ولم أعد أتذكره لانه لم يعد هناك أحدا يناديني به...
    اقتربت منه وجلست علي الأرض فغموض حديثه قد جذبني وعذمت أن استكشف باطنه وقلت له... هل لك أسرة
    قال... لا.. أسرتي وحدتي وهي أنيسي في غربتي لقد ولدت غريبا وسوف أموت غريبا ولكن أنا شجاع
    وأنت جبان... هل تري هذه الدائرة...
    قلت له نعم.... قال هي سجنكم في الحياة تعيشون فيها وتموتون فيها... ولأنكم جبناء تخليتم عن الفضيلة وتشبهتم بالحيوانات
    فحبسوكم في تلك الدائرة وضعوكم في قفص واحد.. الأسود مع النمور والذئاب والثعالب والخراف والحمير والبقر والجاموس والماعز... كلكم داخل الدائرة ايها الجبناء وداخل القفص.
    قلت له ومن وضعنا في القفص.....
    ضحك بصوت عالي يضارع ضجيج العاصفة وصداه يزلزل كياني. وقال... القرود.. هم أشد الحيوانات جبنا وخوفا وحتي يأمنوا سلامتهم أدخلوكم الدائرة وحبسوكم في هذا القفص.. تتصارعوا مثل الثيران وتنبحوا مثل الكلاب وتنهقوا مثل الحمير وتخافوا وترتعدوا مثل الثعالب
    ... قلت له وهل القرود يمكنها حبس الأسود.
    قال.... نعم إن ملكت القرود مفاتيح الدائرة فيمكنها أن تروض الأسود وتستأنسها.
    قلت له وانا من أي فصيل..
    قال كلكم جبناء... وأنت لاتقل عنهم جبنا تتحدث معي وترتعد مفاصلك وإن حاولت التماسك امامي وحتي حينما اقتربت مني كنت تحاول أن تثبت لنفسك أنك شجاع. فلا تخدع نفسك.. أنتم من نسج خيوط العنكبوت ليسكنها..
    قلت له... أنا إنسان وليس حيوان وتجمعنا الإنسانية.
    ابتسم في صمت وقال... أنتم جثث والفرق بينكم وبين جثث الأموات أن جثث الأموات ساكنة وخرجت منها أرواحها لتحلق في الفضاء ولكن أنتم جثث متحركة في الشوارع والميادين وتسكن المنازل.. أنتم جثث وأموات منذ الولادة قتلوا أحلامكم وانتزعوا إرادتكم وسلبوا عقولكم ومزقوا قلوبكم... أنتم جثث مقتولة تسير وتنتظر يوم الدفن حتي تسكنوا مع الأموات.. رائحتكم نتنه وفاحت لتطرد النسيم.. حتي الطيور فارقتكم ولم تستطع تحمل رائحتكم القذرة.
    قلت له وأنا أفكر في حديثه الصعب والممزوج بفلسفة العدم.... وكيف أخرج من تلك الدائرة.
    قال وهو يضحك بصوت عالي.... لن تستطيع لأنك تربيت علي الجبن ورضعت من ثدي الخوف وترعرعت في أسواق النخاسة....
    قلت له.. اصدقني القول وامنحني النصيحة.
    قال... أغرب عن وجهي.. قلت لك أنك جبان ولن تستطيع.
    قلت.. سوف احاول...
    قال هل تعلم قصة الخضر مع موسي....
    قلت نعم.... قال حتي تتحرر من تلك الدائرة عليك الرجوع وأخذ العظة من تلك القصة.
    قلت كيف.. ؟ وكيف... أتحرر.. ؟
    قال... هل تستطيع أن تقتل أولادك وانت تعلم عصيانهم لله.
    قلت... وانا متردد في الجواب.... لا
    قال... هل تستطيع أن تطلق زوجتك التي تحيا لتأكل وتعيش وتلهو وتلبس وتسهر ولا تفكر إلا في نفسها.
    قلت.. وانا متردد ومتلعثم... لا
    قال.. وهل تستطيع قتل جارك الفاسق والفاسد وزميلك المنافق والمتسلط ورئيسك الظالم وكل من تراه أفسد في الحياة.
    قلت بصوت عالي.... لا لا..
    قال هذا فراق بيني وبينك أيها الجبان... ارجع لدائرتك وأشباحك وعش كجثة تنتظر من يدفنها
    * * *
    مسرح خيال الظل

    مسرح خيال
    عندما قُتل الأستاذ عبد الحميد في شقته بواسطة زوجته وعشيقها. حدثت ضجة إعلامية كبيرة حول هذا الموضوع خاصة في الطريقة البشعة التي تعاملوا فيها مع الجثة من تقطيع لأجزائها وتعبئتها في أكياس بلاستيك سوداء... كانت الجريمة حديث الرأي العام فقد نُشرت في الصفحات الأولى من الصحف وتداولتها الفضائيات بشكل مثير للرأي العام.. ويقال من خلال محللين الفضائيات من أساتذة علم النفس أن هذا العنف الدارج في هذه الأيام وراءه دوافع غريزية لانهيار القيم الخلقية والسقوط من القيم الإنسانية العليا الي الإنحدار للصفات الحيوانية.. فأينما ذهبتَ في الأسواق وفي المحلات وفي الشوارع تسمع عن هذه الجرائم... بلطجة نفسية سيطرت علي الواقع وطردت القيم الر وحية السامية... الكثير من التفسيرات والكثير من الأحتمالات وباب الدوافع مفتوح علي مصراعيه لإر تكاب الجرائم المختلفة بأهون الأسباب.
    هناك في البيت المقابل لنا في نفس الزقاق وقعت الجريمة.. فغالبا في المناطق العشوائية الصور مختلطة والمسافات قريبة ويقال عليها أزقة نتيجة ماتحتويه من ضيق حتى تكاد أن تسلم علي جارك من خلال البلكونة أو الشرفة.. ففي البيت المقابل وتحديداً في الدورالأول علوي يسكن في الشقة المقابلة الأستاذ عبد الحميد وزوجته ناريمان ولا اعرف كيف يتناسب هذا الاسم وحارتنا الضيقه.. كانت ناريمان في منتصف العمر.. نحيفة.. رشيقة القوام.. أنفها شامخ.. شفتاها مزمومتان وتذكرك بالمبشرين النشطين وبالفعل كانت تثق في نفسها وتعتقد انها وبني جنسها قد خلقوا في الدنيا وهن واحتها الخضراء... عشقت المدنية وعاشت الجانب السلبي من التحضر بغرور في درب المهابيل هذا الدرب في نظرها همجي.. أناسه متوحشون.. بل وتمردت علي سكان الدرب وتعالت عليهم ودائما تتباهى أمامهم بتحضرها وتذكرهم بهمجيتهم حتى في طريقة مشيتها وملابسها المثيرة تثير غرائز الشباب والعواجيز وبرغم من كرههم لها لتعاليها عليهم الا أنهم يتمنون أن يلتهموا هذا الجسد الصارخ بالإنوثة.
    ... كان زوجها مغلوباً على أمره يمشي مطأطئ الرأس.. ويخرج ليلاً مسرعاً وهارباً من نظرات الناس وكلامهم الذي يترامى لأذنيه حتي يصل الي عمله كمدير لأحد الملاهي الليليه بعدما تم فصله من المدرسة
    ... لم أكن اهتم بما حولي من أشياء فأنا بطبعي اخترت العزلة طريقاً وفضلت الصمت وجعلت من نفسي متفرجاً علي مسرح الحياة الكبير ولكن عندما وقعت تلك الجريمة خرجت من صمتي وعدت لنفسي لأستعيد حساباتي فقد كنت شاهد الصمت لتلك الجريمة وأصبحت تثير لدي ذكر يات مؤلمة.
    كنت أحب الكتابة وغالباً أختلي بنفسي في الليل. أطفأ الأنوار وأعيش العزلة في حجرة البلكونة المواجهه لشرفة الاستاذ عبد الحميد.. فاتحاً نوافذها منتظراً ضوء القمر أو دخول أي بصيص من الضوء هارباً من سجن الظلام.. أعد فنجان القهوه السادة وأنادي وحي الألهام عسى أن يؤنس وحدتي.. دائما أعشق الظلام ففيه ترتيب الأفكار وسكون يبيح بصمته الإبداع والتأمل.. كنت أجلس بهدوء في وقت متأخر من الليل
    .. انتابتني حالة من السعال بنوبات شديدة وتلتها نحنحتان.. أحم. أحم وبدتا منفصلتين بدون سعال حقيقي.. واذ بي أسمع نحنحة مماثلة وكأنها ترد علي نحنحتي.. نحنحة دون تنغيم ومفعمة بالتأكيد كأنها ترويحية... اختلست نظرة نحو مصدر تلك النحنحة واذ بي أجد إمرأه تسدل الستار علي النافذة المقابلة.. ثم أجد ضوءا كاملاً في حجرة الأستاذ عبد الحميد ووجدت رجلاً يدخل الحجرة.. لم أهتم بهذا الرجل.. وعندما هممت برشف الرشفة الأخيرة من فنجان القهوة... لفت انتباهي ظل يتحرك خلف الستارة مع ضوء خافت ولكن لا يمحي شيئاً من المسرح المقابل الذي أشاهد أعضاءه بوضوح.. تعلق نظري قليلاً بالمشهد فوجدت ظل الرجل يظهر ثم يختفي من جديد.. ثم ظل رجل وإمرأه.. اقترب الظلان والتصقا وغابا في قبلة ليست بالقصيرة.. شد إنتباهي الموقف ورحت أتابعه في صمت كطفل ينظر إلي لعبة أو إلي صندوق الدنيا... أنا رومانسي الطبع وأعلم جيداً كيف يكون العشق والرجل والمرأه يقبل كلا منهما الأخر منذ العصور القديمة وأعتقد انهما سوف يظلان كذلك قروناً طويلة الأمد ولهذا اقول لكم أن هذا المنظر كان ممتعاً ولكن ليس جديداً.. بل هو لعبة ينظر لها طفل في مسرح خيال الظل... ولكن مالفت نظري أن ظل الرجل طويل وليس قصيرا مثل الأستاذ عبد الحميد ونحيف وليس سمينا... فرحت أسأل نفسي من يكون هذا الرجل وكيف بمدام ناريمان تفتح له باباً.. انه من المؤكد عشيقها وخطفهما الشيطان.. برقت عيناي ببريق أشد لمعاناً.. عناق حاد وقّبل حارقه تثير الغرائز الكامنة في النفوس
    .. حاولت أن اقنع نفسي بأني انظر الي الأمر بشكل عادي فأنا لست بمراهقا والأمر لا يتعدى الفضول
    .. أجل اعذروني فأنا أشاهد خيانة أمام نظري ومن الطبيعي أن تتاح امامي كل التفاصيل.. فالأستاذ عبد الحميد.. أحب هذه المرأة وضحى بالكثير من أجلها كما سمعت.. يحاول أن يرضيها بقدر المستطاع يسكت عن الظاهر أمامه من ملابس ترتديها أو ضحكات عالية وخطوات تثير الغرائز وربما كان يظن في قرارة نفسه انها لا تتعدى ذلك ويريد أن يثبت لها انه متحضراً وغير تقليدي حتي أنه خسر مستقبله كمدرس أول.. إ ن مايحدث أمامي هو تمزيق لجراح القلب.. وأعلم أن مشكلة الاستاذ عبدالحميد انه من نوعية خاصة من الرجال يعتقدون في قرارة أنفسهم أن السعادة هي في المرأة فقط ولكن هناك الكثير من الرجال لا يريدون قضاء أوقاتهم إلي جانب المرأة وبعضهم يستهوي العمل كثيراً ويسرهم ذلك وأعرف انسانا تعيساً في زواجه وعلي الرغم من كبر سنه قرر أن يتابع الدراسة كالأستاذ مدكور وأخر ترك زوجته وبدأ في تربية الزهور وأخرين قد يفقدون عقولهم ونراهم مشردين في الشوارع أو نزلاء في مستشفيات الأمراض العقلية.
    .. كنت أنظر الي النافذة وعيناي مسمرتان عليها.. ترتدي ناريمان قميص نوم أحمر ويبدو شفافاً.. رشيقة في العناق والحركة ولكن لا تثير دهشتي فهي ليست الوحيدة أو العاشرة أو بعد الألف أو المليون من اللاتي تشنن تلك الحروب الغريزية... حاولت أن أغمض عيناي حتى لا أرى الشيطان ثالثهما وحتى لا يكون هذا المشهد محطماً ومحولاً لنظرياتي ومبادئي في حب الظلام
    . فالشمس في زيارة للنصف الأخر من الأرض وسرعان ماتعود لنصفنا باكرًا مع سحب الظلام لخيوطه..
    هذا الظلام الذي يخفي في سترته الداكنة الكثير من الأسرار والألغاز.. طار النوم من عيني واستسلمت للسعات البرد الخفيفة فأنا أشعر بتحفز لكثير من الكلام والحوار مع نفسي.
    .. رحت أتساءل هل أخطأ الاستاذ عبد الحميد في إختيار الزوجة واختار التسرع الخاطئ حتي ولو كان يحبها فمن المؤكد انه لا يشعر بالإرتياح والأمان.. هل هو بالنسبة لها مشروعاً لنزواتها وهو غير قادر علي كبت جماح شهواتها وإشباعها.. إنها تستمتع بالمغازلة وكلمات الإطراء.. عجيب أمر تلك النوعية من النساء ولماذا يسمحون للشيطان أن يسكن بين عيونهن.. لماذا تحول الشارع إلي مسرح بُهيمي وسوقاً لعبارات الغزل تجد فيه كل الأصناف من تعدي بالقول أوهتك للعرض وعارضات أجساد يمشين بملابس تقتل القيم وتلهب الجوارح والوجدان.. سوق كبير ولحم رخيص وحتي اللحم الغالي يجد من يعترضه أويغريه أو يستغله ويتفنن في الوصول اليه.. لماذا أصبح الرصيف مقهى للعيون والتعليقات ومسرح للسان..
    ... حقيقي أن اشباح الليل تحفل بهمس الأسرار ومواكبة حفلات خلف ستائر سوداء يسترها الليل بين أجنحته ولن تغضب مواكب الظلام من ستر الأحلام الدنيئة.
    بدأت أشعر بالخوف من الليل ومن يترقب الصباح صابراً فمن المؤكد سوف يجده قوياً..
    لقد اختفى ظلا الرجل والمرأه ومن المؤكد أنهما مضجعين في فراش النوم الناعم يستيقظان من سكرتهما على آهات وتآوهات أبدية ذات ألف نوع يعالجها من نقطة واحدة.. يجتذب حرارتها ويتحسس كل المواضع التي قد لا يصل اليها عبد الحميد أفندي.. يناظرها ويعانق خصرها البتول ليري كم هو موثوق للشد.. هذا هو الظلام والنور هو فضيلة الإحتشام فالعشق دائما يولد التمرد ولا يوجده... سكون مفعم بحفيف أجنحة الليل.. أغمضت عيني قليلاً مصغياً الي صدى الأقوال التي أُحاكيها مع نفسي.. وعندما أفقت مرة أخرى حاولت أن أري شيئاً.. لم أجد إلا صوت السكون ونباح بعض الكلاب ويأتي صوتها من بعيد.. سرعان ماحدثت عاصفة.. ثم سقطت الأمطار بغزارة حتي خيل لي أن الطوفان قد جاء ليبيد الحياة ويطهر الأرض من أدرانها.. كانت المفاجأة وجدت الأستاذ عبد الحميد.. يمشي محتمياً بجدران المنازل حتي وصل الي منزله.. فتح الباب.. ثم اختفي... رغبة الفضول قادتني إلى الإنتظار.. فالموقف أصبح مثيراً... أنه يعلم أن زوجته قد تكون متحررة ولكن من المؤكد أنه لا يشك في شرفها... الطقس ازداد برودة ولكن فضولي كان أقوى وأمام شدة البرد قررت متابعة الموقف من حجرة نومي الملاصقة لحجرة البلكونة وسرعان ما دخلت حجرتي وأنا أراقب الموقف من بعيد الذي أصبح حلقة درامية مثيرة.. دوائر غامضة غير واضحة المعالم.. ليل وصمت مجهول ومرعب.. المطر أغرق الزقاق الضيق والمغامرة تشدني.. ريح وعواصف.. برق شديد.. كل شيء ينتهي بنظري عند النافذة... سكون... صمت
    وكانت المفاجأة ثلاث ظلال أمام النافذة... ناريمان شبه عارية وتشد جسدها بملاءة خضراء.. الر جل عاري الملابس تماماً.. عبد الحميد يقف مذهولًا.. تنتابه رعشة يندفع نحو الرجل فيبادره الرجل بضربات متتالية.. يترنح عبد الحميد.. يقوم الرجل بلوي ذراع عبد الحميد ويكتم أنفاسه.. ينتزع ملاءة السرير من علي جسد ناريمان ويطوق بها عنق عبد الحميد ليخنقه... المرأة اختفت وعادت بشيء يعكس الضوء من المؤكد أنها سكيناً..... كابوس صعب ومرعب وجريمة أمام عيني.. وقع عبد الحميد على الأرض وشبح المرأة أصبح كالتمثال... لقد إنتابني القلق لأول مرة في حياتي.. أصبحت أمام سر خطير لا يعرفه غيري.. كنت الشاهد الوحيد لصراع الليل والشر.. أشعر كأن أيدي الظلام قد قبضت عليّ.. شعرت أني كشجرة صيف يكسوها النهار ويعريها الليل... فماذا أصنع إلي أي القوتين أنتمي.. بعد نصف ساعة توجهت إلي الهاتف وأبلغت عن الجريمة وأنا اتلعثم.. أعطيتهم العنوان ودواراً كبيراً أصاب رأسي وجسدي حتي كدت أن أسقط... جلست حوالي نصف ساعة أخرى ولم أرى النجدة ولفت نظري نزول ناريمان وعشيقها وهم يحملان بضع من أكياس البلاستيك.. قلت ربما تحاول الهرب هي وعشيقها.. وفجأة وجدت عربة النجدة بصوتها الذي شق ظلام الليل.. وما إن شاهدا سيارة النجدة حتي تركا مابأيديهم من أكياس وهرولا مسرعين في الإتجاه الآخر من الحارة.. ولفت ذلك نظر ضابط النجدة الذي جرى خلفهما بعد أن اكتشف وقوع ذراع أدمي من أحد اكياس البلاستيك وتم القبض على ناريمان وعشيقها.
    .. لم أنس تلك الواقعة حتى بعد سنوات من حدوثها زارني أحد أصدقائي ونظر إلي نفس النافذةً مبتسماً وقال لي.. ما ألطف الجمال انظر إلي تلك النافذة انها تدل علي أسرة راقية متحضرة..
    .. ابتسمت فهو لا يعلم أن تلك الشرفة بالنسبة لي مسكونة بثلاث أشباح مضحكين من مسرح خيال الظل تحولوا في لحظة الي كارثة لا تغيب عن الذهن..
    ... وبادرني صديقي بسؤال أخر كيف لاتفكر في الزواج والعمر يسرق منك الأيام والسنين...
    ... ابتسمت وقلت له لا أملك نقوداً تكفي لشراء كل أكياس البلاستيك لأحرقها

    * * *

    عسل بطعم الصباار..

    يجلس عارف في مكتبه.. أوراق متناثرة على المكتب وغير مرئية.. يبدو كل شئ في المكتب فوضوي.. الأتربة عالقة بالمكتبة والكتب القانونية غير متراصة في انتظام وكأنها تزاحم بعضها بعضا وتتسابق في حجز مكان علي أرفف المكتبة القديمة.. الملفات الخاصة بالموكلين متناثرة في كل ركن من أركان المكتب.. حتي ملابسه لم تخلو من فوضاه فالجاكت علي الكنبة المواجهة للمكتب والتي يحيط بها اتنبن كرسي فوتيه أحدهما سكنته بعض الملفات واستقرت عليه والأخر عليه الكرافت وبعض الأوراق المتناثره.. لا يوجد مكان يسمح لموكل بالجلوس سوي اتنين كرسي امام المكتب مباشرة تتوسطهما منضدة صغيرة.
    *** استر خي عارف علي كرسي المكتب.. أشعل سيجارة وعاد به الي الوراء رافعا رأسه الي أعلي. ناظرا الي السقف.. أخذا نفسا عميقا. يتصارع مع السيجارة في أنفاس متتالية وهي تصرخ بين اصبعيه طالبة الخلاص. غطت سحب الدخان فضاء المكتب.. لايزال نظره معلقا بالسقف سارحا في الخيال وكأن سقف المكتب ستارة مسرح لخيالات مرئيه تفتحها الذكري لتبدأ أحدث الفصول التي لم تفارقه
    عادت به الأحداث الي قريته التي ترعرع فيها ولم يكن كشباب القريه يهوي الذهاب الي الحقل أو الي الغيط كما يسمونه وكأن يعتبر هذا الأمر عملا شاقا سواء بري الزرع بالبداله طوال النهار وهو مجهود يحتاج الي ايدي مصارع.. أوحش البرسيم باليد أو بالمنجل.
    ... ولكن منذ أن رأي أحلام تغير حاله وبعد أن كان يسخر من أصدقاءه وهم يذهبون في نفر كبير بقيادة أحد رجال البلده الي حقول القطن لمكافحة الأفات العالقة بأشجاره مقابل مبالغ زهيدة ومهمة الأنفار تخليص شجر القطن من الدود واللطع (جمع لطعة وهي فيرس يصيب أوراق القطن) العالق بها ويسير الأنفار في سرب منتظم لتنظيف الأشجار من اللطعة والدودة من الصباح الباكر حتي غروب الشمس تتخللها إستراحة غداء.. يخر ج كل نفر صرته وهي منديل يحتوي علي قطعة جبنة قديمة أو قريش وبيض مسلوق وخبز شمسي.
    .. لم يتخيل عارف أن يكون يوما أحد الأنفار الذين يجمعون اللطعة والدودة تحت حرارة الشمس وتأسرهم بحرارتها وقبل أن تغيب تضع ختم السمار علي بشرتهم وكأنها تضع علامة رق ليصبحوا أرقاء في خدمتها.
    .. كان عارف خجولا وعلاقته بالجنس الأخر سطحية ولكن عندما رأي أحلام شعر أن هناك إستعمار خفي تملك من قلبه وسيطر علي وجدانه.. عاطفة قوية احتلت كل مدائن جسده.. قرأ كثيرا عن الحب ولكن ظل مفهومه قيد ما قرا وكثيرا مايكتب خواطره للأميرة الغير مرئية والتي تسكن خياله ولكن هو الأن يعيش الحالة وعاطفة سامية تحلق داخله وتعيد الحياة لدماءه.. ولكن مايقلق أن تلك العاطفة السامية تصطدم بجبال من العادات والتقاليد فمفهوم الرومانسية لديهم عيب وتحرر وكفر والعاشق في نظرهم هو إنسان ضعيف استسلم لإغواء الشيطان.. ولكن هو يفكر بشكل مختلف عنهم ويعتقد في قرارة نفسه أن هؤلاء البشر لاتزال عقولهم جامدة بجمود الجبل الذي يحتضن قريتهم.. هو يستشعر أنه خلق في عصر متقدم عنهم
    . يراهم متوحشين وظالمين العاطفة وبينهم وبين أحساسهم بصفاتها ورقيها الكثير
    . فكم من الملايين في مثل تلك البيئات هم فقراء في الحب وكم من ملايين القلوب خاوية وهي جوعي للحب.. أنه ينظر بيأس ولا يحلم بمستقبل أفضل للعاطفة أمام تلك القلوب المقفرة والتي تزعق فيها غربان الغباء والجمود.. هم بشر لا يفكرون وخاضعين لهمومهم اليومية والتي دائما أتمرد عليها وأري في همومهم الكثير من التعاسات الجديرة بالرثاء لحالهم وعلي حالتهم يعيش الكثير في الحياة.
    ... أحب عارف أحلام بقلبه الأخضر الصغير وهو ابن الرابعة عشر من العمر حتي انتهي به شبابه وانتهي إلي لا شئ..
    . لايزال صوتها يرن في أذنه وصداه يتردد داخل أحشاءه.. لم ينسي مواسم جمع القطن.. كان لا يشعر بحرارة الشمس ولا طول النهار الذي يشكل حملا ثقيلا عن من حوله من أنفار. فاليوم معهم يطول ويكاد أن لا يتحرك وكأنه مربوط في سلاسل لا يجيد الخلاص منها ويعاندهم ويرميهم بحرارة تلفح وجوهم وتمطرهم بالسمار ولكن نهار أحلام شيئا أخر يبدأ في لحظة وينتهي ف نظرة.. كان يمسك بلوزة القطن وكم يتمني أن تتحول الي وردة فيهديها لها. لا يعبأ بمن حوله وهم يسابقوه في جمع القطن وتنظيف اللوزة من بقاياه.. فالرجال يربطون حبلا أسفل البطن ويضعون مايجمعونه في صدورهم حتي ينتفخ الجلباب الطويل الواسع الأكمام.. ويتحول الجزء العلوي في كل نفر الي شوال متحرك حتي اذا امتلأ الي أخره يخرجون ليفرغون مافي صدورهم في أشوله كبيرة الحجم.. والفتيات يقمن بجمع القطن من اللوزة ويضعونها في عوالق مصنعة من نبات الحلفا يسمونها قفة... الجميع يغني لكسر حالة الملل في صوت واحد..
    هز اللمونة ياقايم بدري ** هز اللمونة واملالي حجري
    عارف عيناه تفضحه ومعلقة دائما علي أحلام وهي تسرق النظر إليه من حين الي أخر وكأنها تحدثه في صمت وحديث دائر من القلب للقلب.
    ... تغني أحلام بصوت شجي جميل يسحر الروح ويخلب الألباب الغناء وينصت بكل حواسه الي غناها
    الليل... الليل.... وغريب أبيت فين
    فايت علي دربكم
    عطشان زقيتوني
    يازقوة الشوم يابوي
    فاضي شبكتوني
    يكاد قلبه أن ينخلع ويرفرف ذبيحا تحت قدميها وصارخا أحبك تنظر له بسحرها وتغازله بعينيها بكلمات الأغنية
    الليل.... الليل وغريب.. أبيت فين
    فايت علي دربكم
    منديل طرف عيني
    أبكي علي حبكم
    ولا أبكي علي عيني
    من فرط سكرته في سحر صوتها نسي نفسه وطرفت عينه شجرة القطن
    ابتسمت أحلام وراحت تعيد علي مسامعه
    فايت علي دربكم
    منديل طرف عيني
    أبكي علي حبكم
    ولا أبكي علي عيني
    ... ظل عارف علي هذا الحال عاشقا في صمت وغير قادر علي البوح لحبيبته بحبه حتي تقدم لها أحد شباب البلدة وتزوجت منه مسيره. لا مخيره. بإرداة والدها وأهلها.. وزواج أحلام أصاب عارف بالصدمة وشعر بأنه لم يتبقي له أمل فيها وتركت له العذاب.. شعر أن حياته هي حياة دمي،،حتي بعد وصوله منتصف العقد الرابع لم يتزوج وعاش حياة عبثية وكأن كل الحياه توقفت عند أحلام والشيطان تلبسه ليكفر بالحياة ولا حتي يخاف من جحيم مابعد الموت.
    كان عارف غائبا عن الوعي تماما ومحلقا بخياله في فضاء الذكريات بحلوها ومرها ولم يفق من خياله الا مع انتهاء السجارة التي في يده والتي شعر أخيرا بلسعتها وانتفض وأطفأ العقب الصغير جدا في الطفاية ناظرا الي أحلام
    .. لم يتخيل يوما أن يراها وها هي أمامه وتجلس في مكتبه بصحبة ابنها كرم. شاب اقترب من العقد الثالث من عمره... جاء بصحبة أمه لعمل أعلام ورائة شرعي
    ... لم يكن تواجد أحلام بالنسبه له هو نبش في الماضي وفتح جرح كبير لم تنتهي أثاره بعد ولا يزال ينزف.. بل الأصعب من الجرح هي أحلام نفسها التي أحبها فمن تجلس أمامه ليس أحلام.. بل دمية تتحرك ببطء علي الأرض.. نحيفة.. أكلتها الأيام ومصمصت لحومها وتركت لها تجاعيد مختلطة بعظام... حتي عينيها تكاد أن تختفي من وجهها ولا تظهر من السواد المحيط بها... ينظر لها في شفقة وكم كان يتمني أن يضع رأسها علي كتفه فتغسل هموم الزمان عليه... وهي تنظر له كعادتها قديما بنظرات مسروقة... تخطفها بعيدأ عن عيني ابنها وتكاد أن تبكي الأيام التي قتلتها شابة وكانت مسلوبة الإرادة مع أبيها و أهلها والأن تحييها وتقتلها من جديد مسلوبة الإرادة أمام ابنها

    * * *

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 12, 2018 7:01 pm