منتدى الفراعنة

منتدى أ/سمير حماية

المواضيع الأخيرة

» ورشة عمل عن " إدارة الدعاوى القضائية في المنازعات الإدارية "
السبت يناير 19, 2019 12:25 pm من طرف sabra group

»  ليلة في حضن الجبل 5
الأحد يناير 13, 2019 9:47 pm من طرف سميرحمايه

»  ليلة في حضن الجبل 4
الأحد يناير 13, 2019 9:45 pm من طرف سميرحمايه

» ليلة في حضن الجبل 3
الأحد يناير 13, 2019 9:44 pm من طرف سميرحمايه

»  ليلة في حضن الجبل 2
الأحد يناير 13, 2019 9:40 pm من طرف سميرحمايه

»  رواية ليلة في حضن الجبل ( اسياد وعبيد 2) سميرحمايه
الأحد يناير 13, 2019 9:39 pm من طرف سميرحمايه

»  اوكتاجون 6
الخميس يناير 10, 2019 3:44 pm من طرف سميرحمايه

»  اوكتاجون 5
الخميس يناير 10, 2019 3:43 pm من طرف سميرحمايه

»  اوكتاجون 4
الخميس يناير 10, 2019 3:40 pm من طرف سميرحمايه

التبادل الاعلاني


    رواية أسياد وعبيد. الجزء الأول .تأليف سميرحماية

    شاطر

    سميرحمايه

    عدد المساهمات : 1091
    تاريخ التسجيل : 29/10/2010
    العمر : 49

    رواية أسياد وعبيد. الجزء الأول .تأليف سميرحماية

    مُساهمة من طرف سميرحمايه في الثلاثاء يناير 01, 2019 11:17 am

    رواية

    أسياد وعبيد

    سميرحمايه


    2

    قي ظُلمات النهار، تحترق الشمس على قارعة القلوب الضالة
    على مرأى النجوم الضالة التي هربت من بين ثنايا خيوط الليل
    على حافة أمل ضائع ، هناك ناي حزين يغني، تمردت الأغاني
    الجميلة، وخطفتها النغمات الحزينة ،حبستها في ممرات ضيقة
    تلك الطرق العابرة بنا طريق الحياة، أصابتها اللعنة.
    تجمعت كل القوة في يدهم، ساقوا العامة إلى ممرات الحيرة
    وحاصروهم قي ممرات ضيقة .
    نهبوا الغلال  من المغل حتى شحت من القاهرة
    ، أطعموها لخيولهم حتى أن العامة لم يجدوا خبزاً
    ، سرقوا دجاج العامة وأوزهم، دخلوا إلى الطواحين
    ونهبوا مافيها من دقيق ، خطفوا من السقايين الجمال ، حتى الأسواق
    ومابها من قماش وبضائع تم نهبها .
    إنفرد الحاكم بإستحلال الدماء ، وإنفراد المحكوم للخضوع والخنوع .
    فمنذ أن دخلوا القاهرة بالسيف والشر يرفع رايته في كل الممرات
    كان قد أفصح النية إن دخل القاهرة أحرقها وأعمل السيف ف..
    في أهلها.

    3
    ........
    كان الأمر فوق طاقة الشيخ عامر الجزار، ذري اللون ، صاحب ذقن
    طويلة ، وافر الأنف ،ضيق العينين ، قصير القامة ، في ظهره حنية
    ظاهرة ، ورغم كبر سنه إلا أنه يمتلك خفة ورهج ، يسابق الريح
    في الحق.
    .. لم يكن كغيره من شيوخ التصوف الذين يعلنون الخضوع دائما
    للحاكم ولا يتصدون للإصلاح ،وكأن الفسوق لا يعنيهم، هو يدرك
    أنه كلما ازداد الجهل والتخلف واضطربت الأخلاق زاد التصوف
    وغالبا التصوف لا يمنح حياة دينية قوية ولكنه يمنح حياة دينية
    خاملة، لا نبض فيها ، فهم يكتفون ، بالتبرك بالأولياء ويقدسون
    القبور واقامة الموالد حولها وكانت الموالد والأضرحة تجمع كل
    مظاهر الشرك، وكانت أهم الموالد في مصر،مولد البدوي
    ومولد الحسين ومولد السيدة نفيسة .
    .. كمان كان الشيخ عامر الجزار يكره مظاهر التقديس لأولياء
    التصوف وشيوخ الطرق ولا يعتقد بأحاديث الكرامات الظاهرة
    والأنوار الساطعة ،حيث انه ضحك كثير على قبرولي كانوا
    يعتقدون فيه وأتى السيل فجرفه ودمره وبعثر عظامه وتفرقت
    حتى أنهم لم يستطيعوا أن يجدوها ، فما حدث لقبر هذا الولي
    4
    الذي يعتقدون أنه صاحب كرامات ، يثبت كذب كلامهم
    وادعاءاتهم الباطلة،ورغم أن القبر تهدم ومابه من عظام
    قد جرفتها السيول إلى المجهول ، إلا أن أولاده واتباعة
    بنوا له قبر أخر بلا جثة وكانضريحا فاخراً يتزاوره شيوخ
    الصوفية والأتباع لينالوا من كرامات هذا الولي ، ويختلط
    داخله الرجال بالنساء ، حتى أن بعض العشاق يتواعدون
    داخل الضريح ، والغريب أن القبر والضريح الذي يفقد
    الشهرة والأتباع يقومون بهدمه ويبنون قبوراً آخرى لمن
    يموت ويتناول سيرته وبركته الناس.
    كان أيضا لا يطيق مايراه في إقامة الموالد ، من تقديم
    قرابين ونذور وولائم وموائد، حتى أنهم ابتدعوا للأضرحة
    مواسم وأعياد كل سنة ، يدعون لها الناس من الوجهين
    البحري والقبلي والدلتا . فينصبون الخيام والصواوين والمطابخ
    والقهاوي ويفترشون الحلويات والألعاب من أرباب الملاهي
    ولا يخلوا الأمر من وجود الغوازي والبغايا والقوادين والحواة
    ويتحول المكان حول الضريح إلى حفلات سمر ورقص ويضربون
    بالطبول والزمور ، ليلا ونهارا، ويستمر ذلك حوالي عشرة أيام
    تلط صلواتهم ونسكهم وقيامهم الليل..
    ه
    كان الشيخ عامر يسأل نفسه ، أين هؤلاء العلماء والفقهاء
    الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لم يجد إجابة
    لسؤالة لأنه يدرك ببساطة أنهم قادة الأمة والسبب الرئيسي
    في هذا الفساد والإنحلال .
    لم يكن الشيخ عامر على هواهم ولا تعجبهم فتاويه أو دعواته
    للإصلاح ولكن هم يخفون حسدهم وكراهيتهم له لحب الناس
    له وعندما يجلسوا مع بعضهم البعض ، يتهمونه بالكبر والغرور
    والتشدد وانه ضد مظاهر الحياة وكانوا يبثون سمومهم عليه
    عند الوالي سلمان أغا .
    ولم يكونا هم فقط من كان يبث سمومه على الشيخ عامر كان ايضا
    شيوخ القضاء لإنصراف العامة عن عدالتهم التي لم ترضيهم
    ويجدون في مجالس الشيخ عامر العرفية العدالة الحقيقة المنصفة
    فهو لا يحابي غنيا على فقيرا ولا كبيرا على صغيرا ،كان يحب
    العدالة وعاشق للحق ولا يخشى في الحق لومة لائم.
    ..أيضا التجار وأصحاب المال كان يحارب جشعهم ورباهم الفاحش
    ويدعو إلى الكسب الحلال .
    سلمان أغا ، ذلك الوالي الذي انغمس في مظاهر اللهو والترف ..
    ولا يعنيه سوى جمع المكوس ويقيم حفلات السمر التي
    6
    يحضرها كبار الشيوخ والتجار والقضاة ولا يهتم بأحوال
    الرعية التي تركها للنهب للمماليك الذين استعادوا نفوذهم
    بعد ان ترك لهم الحكم الداخلي وايضا لعساكره وقطاع الطرق
    ومن كان قد أطلقهم سلطانهم عند فتح القاهرة من المجرمين
    واللصوص .
    ....
    قام الشيخ عامر فزعا من صراخ ابنه حسن ، شاب في
    بداية مراحل الشباب ، في الخامسة عشر من عمره
    طويل . أبيض الوجه ،شعره رغم قصره إلا أن به نعومة
    ظاهرة ...
    حسن.. قم ياأبي القيامة قايمة في الأزهر.
    ... خير ن شاء الله
    ..أهالي الحسينية ثاروا وكلهم في الأزهر.
    .. لم يفكر الشيخ عامر بطمس وجهه ببعض الماء ،وذهب مسرعا
    إلى الأزهر ووجد هناك جمع غفير التفوا حوله يشكون له نهب
    محلاتهم وبيوتهم، الأزهر مكتظ بالعامة ومعهم الطبول ويحملون
    النبابيت والمساوق فصرخ فيهم الشيخ عامر
    ...أنا معكم
    7
    فخرج بهم من نواحي الجامع وأغلقوا أبوابه والبعض منهم
    إعتلى المنابر ضاربا بالطبول..ومشى بالبعض منهم الى السوق
    وأمر بغلق الحوانيت .
    ..ووقف حسن ابنه يحدث الناس ..
    من يقطع لنا ورقة سوف نقطع شجرته .
    احنا نجمع بعض من كل حواري القاهرة وبولاق ومصر القديمة
    وننهب بيوتهم  كما نهبوا بيوتنا وحوانيتنا ونعيش بكرامة، يانموت
    شهداء...كلمات حسن لاقت استحسان الجميع وألهبت حماسهم ولكن
    الشيخ عامر طلب منهم الهدوء وانه حيقابل سلمان أغا.
    ..ذهب الشيخ عامر إلى قصر سلمان أغا في الغورية بصحبة البعض ممن
    تضرروا  واضطر ان يستجيب سلمان أغا لمطالبهم وطلب منهم قائمة بالمنهوبات وعوضهم عنها .
    .. مواقف كثيرة أثارت حفيظة سلمان خان فهو لم ينتهى من الحادثة القريبة
    بعد أن شحت الأغلال وقلل من الرواتب.فثار الفقراء والقاطنين بجوار
    الأزهر وقفلوا أبواب المسجد عندا على صمت الأئمة على ضياع حقوقهم
    ومنعوا الصلوات وكان ذلك يوم جمعة،فلم يصلي في ذلك اليوم أحد.
    وأغلقوا المدارس المجاورة وخرجوا يرمحون في الأسواق ويخطفون
    ما يجدونه من خبز وتبعهم الجعيدية وأرازل السوقة ...وأيضا تحت
    8
    ضغط الشيخ عامر ،اضطر على دفع الرواتب وتعديلهم وتعويضهم.
    ..منزل الشيخ عامر بسيط ، مبني بالطوب اللبن ، مسقوف بالخوص
    عبارة عن ثلاث حجرات ، حجرة تجمع الشيخ عامر وزوجتة خديجة
    إمرأة في العقد السادس من عمرها ، لها بشرة ناضرة ، هادئة وطيبة
    العشرة تحب زوجها وابنها حسن ولكن دائما في قل قعلى حسن وطيشه
    وتمرده فلا يمر يوما يخرج فيه حسن إلا ويقوم بمغامرة وتخاف عليه
    من العسكر وتخشى أن يصيبه مكروه ..هي مريضة بالتهاب رئوي
    ..الحجرة الثانية مخصصة لحسن بفرش بسيط عبارة عن حصيرة
    ومصطبة للنوم عليها، الحجرة الثالثة للعبد رحان خادمهم هو وزوجته
    سعيدة وابنهم مرسال وينام ثلاثتهم في تلك الحجرة ...
    .....
    لم يُظهر عسكر الوالي احترام للدين وكانوا يجاهرون بالمعصية
    يشربون الخمر في الطرقات والأسواق بين الناس حتى في رمضان
    فأغلبيتهم لا يصوم ويسيرون في الشوارع بلا أدب وحشمة. وكان وجه الإضطهاد والإستعباد للمصريين عظيماً.
    وفي أحد الأيام كان حسن يسير بصحبة مرسال في سوق الغورية
    وبعض العسكر يشربون الخمور في الطرقات وكانوا خمسة أفراد
    يهينون المصريين ويخطفون عمامتهم ويعرونهم ( يرفعون ثيابهم)
    9
    ويغازلون النساء بالقول الفاحش ولم يعجب الأمر حسن فدخل
    ينهرهم فاصطدموا به ونشأت بينهم معركة انضم فيها مرسال
    لحسن حتى قتلوا فرد منهم وأصابوا الباقي منهم بجروح خطيرة
    وقام العامة بتهريب حسن من السوق قبل أن يأتي باقي العسكر
    ..وكان رد فعلهم قاسي فأتت جحافلهم تحقق في الأمر ولكن
    أخفى العامة الحقيقة حتى لا يتعرض حسن لأذي ، فقام العسكر
    بالوقوف على أبواب المدينة ويمسكون الناس كبيرهم وصغيرهم
    ويربطونهم في حبال وجروهم للقلعة وبدأ تعذيبهم في الأعمال
    الشاقة من سحب مكاحل النحاس الكبيرة إلا حمل الطوب الكبير
    وبهدلة من ضرب وسك وضرب العمائم ..ولكن لم يعترف
    عن حسن أحداً منهم .
    .. ولكن الطامة الكبرى وقعت من العثمانيين ، بقيام جماعة منهم
    يعترضون أولاد الناس في الطرقات ويقولون لهم .
    ...أنتم شراكسة.
    ..فيجيبون انهم ليسوا من المماليك وأنهم من العامة.
    ...فيقولون لهم ..اشتروا أنفسكم بدلاً من القتل ويأخذون ما معهم من
    أموال عنوة وقطع طريق وصار أهل مصر تحت رحمتهم ومن لم
    يجدوا معه مال أخذوا مامعه إن كان قماش أو دابة أو أي شئ
    10
    وفرضوا غرامات على الزواج والطلاق  حتى أن النكاح توقف
    بسبب تلك المكوس. والعامة في صمت وذل وهوان..حتى حدثت
    الحادثة ...قطعت تلك الجماعة على حسن ،
    ... أنت شركسي .
    ...أنا مصري حر وليس مملوكاً .
    ...لا انت شركسي أو تشتري نفسك.
    ...اشتري نفسي من مين .
    ...تشتريها مننا.
    ... وانتوا تعرفوا حجم نفسي..دي غالية جداً.
    ..خلاص ادفع .
    ... وإن لم أدفع .
    تهجم عليه واحد منهم..يبقى حتموت هنا ،تفادى حسن الضربة
    ومسك يديه ولواها خلف ظهره وكاد أن يكسرها وحينها تشجع
    بعض شباب العامة وانضموا لحسن وقتلوا أربعة أفراد من
    الجماعة وجرحوا عشرة والباقي ولى الفرار.فتحمس الأهالي
    وقاموا بثورة كبيرة اعتراضا على تلك التصرفات وضريبة
    الزواج والطلاق..
    ... واضطر سلمان أغا للرضوخ لطلبات العامة على لسان
    11
    الشيخ عامر ولغى ضريبة الزواج والطلاق ، ولكنه عزم على
    القضاء على الشيخ حسن وابنه هذا الفتى الجامح في نظره
    ودبر مكيدة وأرسل رسالة للسلطان يخبره بعصيان الشيخ
    عامر وتأليبه الأهالي ضدهم ، حتى أنه لم يستطيع جمع الخراج.
    ...أصدر السلطان فرمان بإعدام الشيخ عامر بتهمة الخيانة العظمى.
    ...تسرب خبر فرمان إعدام لحسن عن طريق عامل في قصر سليمان أغا
    كان قد أنقذ زوجته من الخطف من الجماعة الغثمانية ولم ينسى العامل
    معروف حسن معه .
    أقنع حسن والده الشيخ عامر بترك المنزل والإختباء عند الشيخ سلامة
    وذهب به إلى منزل الشيخ سلامة وأخذ العهد عليه أن يحفظ أبيه
    فأعطاه موثقاً...
    ..بعث سلمان أغا حامية للقبض على الشيخ عامر ولم يجدوه في المنزل
    وخربوا البيت، دمروا أثاثه وانتهكوا حرمة المنزل ودخلوا على أمه
    المريضة وتعاملوا معها بعنف.وعندما عاد حسن إلى المنزل وعلم
    بما حدث من الحامية ، فسبقه غضبهوحاول أن يجري مسرعا خلفهم
    لولا أن أمه خديجة تعلقت في ملابسه واشتد عليها التعب والكحة الشديدة
    ..حملها حسن على سريرها.
    ...طمني على أبوك ياحسن .
    12

    ...أبويه بخير يا أمي ، ماتشغليش نفسك بحاجة واهتمي بصحتك.
    ...ازاي ياابني ، حشغل نفسي بمين غيركم.
    ..ارتاحي انت يا أمي وأبويه في مكان أمين .
    ......
    .. لم يكن الشيخ عامر يتصور خيانة صديقه الشيخ سلامه
    مرعي ، الذي بلغ الحامية عن مكانه ، فأرسلوا قوة قبضته
    وذهبوا به إلى سلمان أغا ، الذي أبقاه محبوساً في قصره
    عشرة أيام.
    ...لم تتحمل خديجة ماحولها من أحداث وزاد صدرها إشتعالا
    بالكحة المصحوبة بالبلغم الكثير الممزوج بالدم ، تحول إلتهابها
    الرئوي إلى إلتهاب حااد مزمن ، حتى وافتها المنية .
    ..وكان موتها صعب على حسن ، وأشد ماعانى منه عدم حضور
    أبيه لدفن أمه ، وكتم عنه الخبر ، ولم يكن يعلم  أنهم قاموا بالقبض
    على  أبيه حتى أتاه الخبر من عامل القصر وأبلغه بخيانة الشيخ
    سلامه لأبيه وأنه أبلغ عنه ،وتمكن الغضب من حسن وذهب
    إلى الشيخ سلامه وقتله فإزدادت الأمور تعقيداً وأصبح هو مطلوب
    للحامية العسكرية حياً أو ميتاً،واضطر للإختباء في المقابر ومقابلة
    13

    ريحان ومرسال خفية .
    بعد عشرة أيام طلب الوالي سلمان أغا بتجهيز مقصلة الإعدام
    والمناداة في الحواري بإعدام الشيخ عامر.
    وفي يوم الإعدام احتشد الأهالي في المكان ، وأتوا بالشيخ
    عامر وساروا به حتى مدخل بوابة القصر الذي احتشد
    حوله العامة ، ظل الشيخ عامر يلقي السلام على العامة
    ويوزع عليهم ابتسامته وصراخهم عليه يزيد ،ودموعهم
    لا تتوقف ، فهو كان حصن الأمان لهم وهو من يدفع بحياته
    من أجلهم، عندما وصل في الساحة التي أمام القصر، وجد
    المقصلة ونظر إليها وأخذ يقرأ بعض آيات القرآن...
    حسن أتى متخفياً واخترق الصفوف حتى الصف الأمامي،وقف
    بجوار العبد رحان وإبنه مرسال.
    .....إلتفت الشيخ عامر للصفوف المحتشدة وأخذ ينظر لهم،يرى
    ريحان ومرسال ولم يخفى عليه أن المتخفي بجوار ريحان هو حسن
    ...نظر إلى الدموع طالباً منهم الدعاء له ، وإنخرط الجميع في
    الدعاء الممزوج بالدموع...
    .... نظر له الجلاد ..فيه في نفسك حاجة عاوز تقولها.
    14

    ...عاوز أكلم رحان .
    طلبوا له العبد رحان الذي اقترب منه والدموع تنهمروالشيخ عامر يقول له
    ....حسن أمانة عندك يارحان ، مالوش غير ربنا وانتم.
    ...انخرط رحان في البكاء وطلب منه الجلاد الإبتعاد...صعد
    الشيخ عامر إلى المقصلة  ونظر للعامة النظرة الآخيرة وطلب
    منهم قراءة الفاتحة وعندما انتهوا من قراءتها .نظر الشيخ عامر
    نحو الجلاد قائلا ..
    ...شوف شغلك
    .. وضعه الجلاد على حبل المشنقة وكلما بدأ في الشنق ، ينقطع
    الجبل وتكرر هذا المشهد عدة مرات حتى تم شنقه وطلوع روحه
    وإنخرط الجميع في بكاء عظيم. وصرخة مكتومة حدثت من حسن
    لفتت إنتباه رحان ، الذي إلتفت إليه لأول مرة منذ أن وقف بجانبه
    وكان طوال الوقت منشغلاً بالشيخ عامر،علم رحان أن حسن هو
    من بجواره فأحتضنه في بكاء وصراخ كاد إن يلفت النظر على
    حسن وتنكشف شخصيته .


    15

    2_ غروب وشروق
    لم تخلف الشمس موعدا لها في الحياة ، هي حاضرة بموعد شروقها
    وحاضرة في إستواءها وحاضرة في موعد الغروب، مواعيد ثابتة
    للشمس لم تتغير، ليتنا نتعلم منها دقة النظام وثوابت المواعيد، فمنذ
    بداية رحلتها مع الكون ، تدرك أنها أساس الحياة ، ترسم لنا أجمل
    اللوحات وتحدد لن الأوقات ، ودائما تمتعنا بأجمل اللوحات المبهرة
    ، لو حة الشروق ولوحة الغروب التي ترسمها لنا بلون الشفق الأحمر.

    مع مشارف الشروق وصل رحان وزوجته إلى  مكان المعدية
    المتفق عليه بينه وبين حسن ، يقف قلقا على حسن مترقبأً الطريق
    بينما زوجته مسعدة وابنها مرسال إنشغلا بالمركب التي تُفرغ
    حمولتها على الشاطئ.
    رحان مضطرب يحدث زوجته الشاردة مع المركب
    ...تفتكري اتأخر ليه يامسعده.
    .... الغايب حجته معاه يارحان
    ...أنا خايف يكون اتعرض لسوء
    ....فال الله ولا فالك ياشيخ
    ... ربنا يصبرني .
    ...ماتقلقش احنا لسه اللي جايين .
    مرسال متداخلا في الحديث.
    ..متخفش على حسن يابا وارتاح .شويه وحتلاقيه جاي.
    انتهت المركب من تفريغ حمولتها من الفخار ومشغولات من نبات الحلفا
    بعضها حصير والبعض الآخر غلقان يتم وضع الأشياء فيها متباينة
    الأحجام يسمون أكبرها قُفة.
    ..تلك المركب لرجل نصراني يدعى منقريوس من شرق النيل
    بمديرية سوهاج، وشرق النيل له جماله وسحره الخاص ، فهو يحتضن
    الطبيعة بكافة أشكالها من جبال وصحراء وخضرة ، يعتز أهل الشرق
    بأنفسهم وغالبا ماكانوا يدخلون في صراعات مع سكان غرب النيل
    واثناء تلك الصراعات لم يفت فتيات القرى في الشرق من ترديد
    الأغاني وكان أشهرها أغنية احنا ولاد الشرق.
    أحنا ولاد الشرق
    مال الغرب بينا
    فرسان خلقنا الرب
    نعادي من يعادينا
    نغزل من الهم فرح
    17

    نبني م الدموع سواقينا
    شداد على العدا
    بالهمة نبني أمانينا.
    .. منقريوس رجل طويل قوي البنيان يعمل بذراع واحدة هي اليسرى
    ،رجل يعتز بنفسه من النوع الصعب من الرجل
    هذا النوع يحب الحرية.
    ، يحب أن يمتلك قراره، لايرضى بالدونية ، ولا يخضع
    لعدمية،يحب أن يتدخل أثناء حدوث الأخطاء، يتنزه عن
    سفاسف الأمور وتوافه العداوات، بعيد عن مستنقعات البغض
    والكره والحسد ، يقبل بالآخر وحريته ، ويحترم رأيه، هو يعيش
    لغيره لا لنفسه ، ويدرك أن من يعيش لنفسه إستعبدته..وكانت
    شخصيته وقوتها سبب في فقد ذراعه في مبرزة بالعصا مع
    اللازي أحد رجل الملتزم جعفر وخسر بخسارة المبارزة ذراعه
    وأرضه ولم يرضى أن يعيش ذليلاُ وضعيفاُ في مستنقع يحكمه
    الشر والظلم  ، فترك أخيه أرمنيوس والبلدة واشترى تلك المركب
    وهو يعمل عليها ويساعد أخيه ارمنيوس في معيشته ، يعاونه على

    18

    على المركب وليم ابن اخته .
    ..رحان عينيه في حيرة بين النظر للطريق الذي من المفترض
    أن يأتي منه حسن والمركب التي انتهت من تفريغ حمولتها ، فهو
    يود أن يحدث صاحب المركب لينقلهم معه ، هو لا يدري أين
    ينقلهم ، هو يريد أن يبتعد بالمركب إلى أقصى الجنوب .
    .. منقريوس  بعد أن قام وليم بحل الحبل المربوط في شجرة على الشاطئ.
    بدأ يضع الجزع الخشبي الكبير في الماء لتحريك
    المركب إلى داخل النيل ، ووليم يمسك بالدفة .
    ...رحان يشعر بالحسرة على فوات تلك المركب  ، فهو لن يضمن
    صدفة آخرى مثل تلك المركب وحتى يجد مركب آخرى ، لا يدري
    كم يحتاج من الوقت ، ربما ساعات أو يوم أو أكثر، بدأت عينه تزرف
    الدموع على ضياع  تلك الفرصة ، إلا أنه حدث أمر غريب ، المركب
    لا تتحرك ، دقاته قلبه تتزايد وأنفاسه تتسارع فرحة ممزوجة بخوف
    ربما تتحرك المركب ، تأكد أن المركب من المؤكد غرزت في النيل
    وسوف تتحاتج الكثير من الوقت .
    منقريوس بعد أن فشل في تحريك المركب وتأكد أنها غرزت
    اتجه بنظر للشاطئ ناحية رحان وزوجته ومرسال ، طالباً منهم العون
    19

    ..رحان حمد الله على تلك الفرصة التي وضعها الله في طريقهم
    ولا شك بعد أن يساعد منقريوس فسوف يوافق على نقلهم معه وخاصة
    لايوجد غيره والصبي الذي معه ،رحان طلب من زوجته أن تنتظر هي
    حسن وسيذهب هو ومرسال لمساعدة الرجل ،.
    ..نزل رحان من أعلى التبة إلى أسفل نحو الشاطئ حيث توجد المركب
    تبادل التحية مع منقريوس وطلب منهم مساعدته في إنتشال المركب
    الغارزة .رفع رحان جلبابه وعلقه في صدره وتبعه مرسال ونزل
    إلى الماء محاولين دفع المركب إلى داخل المياه بعيدا عن الطين
    وباءت محاولات الجميع بالفشل حتى تصبب العرق على وجوههم
    ...لمحست مسعدة حسن وهو قادم إليها فتهللت بالفرحة ،عي تشعر
    أنه إبنها ولم لا وهي من قامت بتربيته وسهرت عليه أكثر منه أمه
    وهو يحبها كثيراُ وغالبا لا يرفض لها طلباُ. نادت رحان من بعيد
    حسن قادم .
    ابتسم رحان ونظر إلى منقريوس قائلاُ..
    ..لا تقلق ، حسن قادم، ربما يأتي الفرج على يديه.
    ...رد منقريوس ...مين حسن ده .
    ...تلعثم رحان في الرد وقال له هو إبني .
    20

    وصل رحان حيث خالته مسعده .
    ...ازيك ياخاله .
    ..اهلا ياحسن ، قلقت عليك يابني.
    ..أنا بخير الحمد لله ياخاله، فين عمي رحان ومرسال.
    ..أشارت له مسعده إلى أسفل حيث مكان المركب ، عند
    المركب دي ، غرزت وبيطلعوها .
    ...نزل حسن إلى أسفل وتبعته مسعده حتى وقفا على الشط.
    رحان.. اهلاً ، جيت في وقت .
    ... المركب غارزه في الطين ومش قادرين نطلعوها.
    ...شمر حسن جلبابه ووضعه في عبه ونزل إلى الماء
    حتى وصل إلى المركب وصعد إليها وحيا منقريوس وليم
    ..نظر إلى الجزع الذي بيد منقريوس
    .. هات الجزع ياوالدي وانت ومعك كمان هذا
    مشيراً  إلى وليم انزلوا الماء مع عمي رحان ومرسال
    وخليكم في الخلفية وأنا حروح في الجزء الأمامي للمركب بالجزع
    وأول ماأغرس الجزء انتم الأربعة من خلف المركب تدفعوها
    للأمام.
    21

    استحسن منقريوس وجهة نظر حسن ونزل هو ووليم إلى الماء
    نحو الجانب الخلفي للمركب وأمسك هو ووليم في الجانب الخلفي
    الأيسر ورحان ومرسال في الجانب الخلفى الايمن ، وذهب حسن
    إلى قبل مقدمة المركب قليلاً لأنه أدرك أنهم بزلوا قواهم السابقة
    في الجانب الخطأ، غرس حسن جزع الشجرة في الماء قائلاً
    ....ياالله ، يامعين ، يامهون كل أمر عسير.
    ...الأربعة في الخلف يرددون وهم يدفعون المركب
    .. ياالله ، يامعين ، يامهون كل أمر عسير.
    .. تحركت المركب بتسهيل من الله وهلل الجميع وصعد منقريوس
    ومرسال وقبلوا حسن .
    ...شكرا للرب ولك يابني ، بعثك لنا في الوقت المناسب.
    ...حسن ..هي تساهيل ربنا .
    .. رحان هل تقبلنا ضيوف على مركبك .
    ..منقريوس .. على الرحب والسعة ، وفوق الراس كمان.
    ..رحان .. فين طريقك .؟
    منقريوس ..أنا عائد لسوهاج .
    رحان ..نفس طريقنا .
    22

    .... على الرحب والسعة .
    ..يشير منقريوس إلى مسعدة التي تقف على الشط وتتابعهم
    ,,هي زوجتك .
    ..نعم
    ...احملها للمركب .
    نزل رحان إلى الماء  حتى الشط وحمل زوجته مسعده
    حتى وضعها أعلى المركب .
    بدأت المركب شق طرقها نحو الجنوب .









    23

    شرف الله الإنسان عن جميع المخلوقات بالنطق ، فإن سكت أو لزم
    الصمت عاد بهيميا، فلو كان عاقلا حكيما واحد في قرية بها ألف رجل
    يستنيرون بعقله ، صارت القرية بألف عاقل وحكيم ، ولو قاد جاهلا
    واحد قرية بها ألف رجل ، سار بالقرية ألف جاهل وأحمق.
    ,,تلك هي الكلمات التي إستهل بها الشيخ أدم خطبة الجمعة في سهل
    الرياينة شرق النيل والتي تنتصف المسافة بين النيل والجبل
    ويفصلها عن النيل أراضهم الخصبة ونخلهم وجناين الفاكهة.
    ويفصلهم عن الجبل مساحة قليلة من الصحراء تحتاج المشي
    نصف يوم .في مسجد القرية المبني بالطوب اللبني والمسقوق
    بجريد النخل ، ومنبر من الطين بأربع درجات سلم تحيط
    بهما مصطبة صغيرة مستطيلة يصعد إليها الخطيب.
    ...الشيخ أدم هو شيخ القرية وخطيبها ومعلم كتابها،رجل قصير
    فاقد البصر، صغير الشارب واللحية،
    ويصحبه دائما في تحركاته ابنه شحاته ، صاحب العشرة
    أعوام ، متزوج من عزيزة هي أم إبنه شحاته ، سمينة
    قليلا ومتوسطة الطول .
    بعد أن انتهى الشيخ أدم من مقدمة خطبته ، دلف لكيفية
    24

    معاملة الدين الإسلامي لأهل الكتاب  وأخذ يشرح لأهل
    القرية كيف نعاملهم ونبرهم ونقسط إليهم وألا نظلمهم وراح
    يستشهد بآيات من القرآن  ﴿ (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة 8

    ومِن فقه التعامل مع أهل الكتاب حمايتهم، وعدم الاعتداء عليهم إذا لم يكونوا محاربين، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذَّرنا من أذيتهم، ومن التعدي عليهم
    .. وعرج الشيخ أدن في خطبته نحو قبط مصر وراح يذكرهم بحديث
    النبي عليه الصلاة والسلام
    (عن ا أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاتِه، فقال: ((اللهَ الله في قبط مصر؛ فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله))).

    ثم عرج على حديث آخر

    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألَا مَن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة)

    25

    يجلس في الصف الأمامي من المسجد الملتزم جعفر
    وهو المُعين لجمع الضرائب والخراج والمحصول من
    الأهالي وبجواره مساعدوه الثلاثة وأقواهم اللزي
    شخص طويل يقترب طولة من المترين ، قوي الشكيمة
    والبنيان ، صاحب صوت أجش وجه لا يبتسم، معروف
    بغلظة طباعه الحادة عند الأهالي وهو يعتبر الرجل
    الأقوى في القرية،والساعد الأيمن للملتزم جعفر
    هو رجل متوسط الطويل بلحية صغيرة ووجه أبيض تعلوة حمرة، يلبس أفخر الثياب ويعيش في قصره مع إبنته
    الوحيدة لواحظ التي توفيت أمها وهي ابنة العشرة.
    ...يأتي بعد اللزي من حيث القوة كُريم، هو أقل منه طولاً
    قليلاً وبنياناً أيضاً، له وجه كريه لاتقترب منه الملائكة
    هو وهارون ساعدا الملتزم جعفر وذراعه الأيسر
    تأتي مكانتهما بعد اللزي وحيط بهما وخلفهما رجال
    تابعين لهم وخلفهما البسطاء من أهل القرية وهم
    العامة ومنهم الحمداني وابنه حمدان وسديري
    ابن اخيه المتوفي والكثير غيرهم وحلاقين القرية
    26

    وجزاريها عبد المتجلى وعبد اللاه متولي
    ....الخطبة لم تلقى قبولا لدى الملتزم جعفر
    ورجاله اللازي وهارون وكريم وتابعيهم ، وطوال
    الخطبة ينظرون لبعضهم البعض بغل وغيظ من
    الشيخ أدم حتى كادوا أن يعترضوا الخطبة لولا
    خوفهم من إنتهاك حرمة الجمعة والتزموا الصمت
    ..وغالبية أهل القرية يتابعون الخطبة وهم يمصمصون
    الشفاة ويشعرون بالعجز وقلة الحيلة لأنهم يدركون
    مايرمي إليه الشيخ أدم في خطبته وأنه يلقي حجرا
    في بحيرة ماء راكدة محاولا رفع الظلم عن أرمنيوس
    حتى بكلمة .






    27

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يناير 22, 2019 3:52 am