منتدى الفراعنة

منتدى أ/سمير حماية

المواضيع الأخيرة

التبادل الاعلاني


    بحث في المرافعه وادبها

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 01/01/1970

    بحث في المرافعه وادبها

    مُساهمة من طرف  في الثلاثاء يونيو 21, 2011 12:56 am


    الحمد لله الأول بلا ابتداء, والآخر بلا انتهاء, العظيم سلطانه, الساطع برهانه, معجز البلغاء قرآنه القائل {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} والصلاة والسلام على من رفع الله له قدرا, وساد البرية طـُرّا, القائل {إن من البيان لسحرا}
    أما بعد:
    فإن لي عشقاً قديماً باللغة العربية, وآدابها فلا يطربني شيءٌ أكثر من الشعر, ولا يشدني شيء أكثر من الخطابة. ولقد جرت الرياح بما يشتهي السَّـفِـنُ, فلقد خيرت بين خمسة مواضيع أحدها عنوان هذا البحث ولما كان له أوثق الصلة بالمعشوقة لم أتردد لحظة في اختياره.
    فالمرافعة هي الكـُوَّة(1) التي يمكن لعضو ادعاء عام له شغف بالعربية أن يطل من خلالها على اللغة وآدابها, وهذا وإن لم يكن هو كل ما حملني على اختيار هذا الموضوع إلا أنه أحد أهم الأسباب.
    إنني قبل الالتحاق بالادعاء العام كنت أسمع عن المرافعة من خلال الأعمال الفنية المرئية أو المسموعة أو المقروءة, ولقد رسمت تلك الأعمال صورة معينة في ذهني إلا أني لم أجدها في الواقع العملي بعد التحاقي بالعمل ومعاينة الواقع وهذا سبب آخر.
    كما أنني لم ألمس - على الأقل عند زملائي – تصوراً واضحاً ودقيقاً للمرافعة بمعناها القانوني فهل ما يجري في المحاكم من مداخلات لأطراف الدعوى هي المرافعة؟ أم هي الردود التي يرد بها بعضهم على بعض؟أم هي ما يبديه المحامون وأعضاء الادعاء العام في جميع الجلسات المخصصة لقضية ما, هي المرافعة؟ أم أن المرافعة هي ذلك القالب الخطابي الأدبي القانوني الذي يَسُلّ فيه كل طرف من أطراف الخصومة سيف بيانه ليصل به إلى الحق الذي ينشده و يذود عنه؟ إذن هناك أسئلة عديدة... فما المرافعة؟ وما آدابها؟ وهل هي ملكة عند أشخاص موهوبين؟ أم أنها تطيع كل من أراد قبض زمامها؟ لقد وجدت هذه الأسئلة في نفسي مقدمات فعزمت أن أضع هذا البحث كجواب لها, فعساني أبلغ ما ابتغيت, وإلا فحسبي أجر المجتهد.
    المرافعة القانونية كما سيأتي تعريفها لاحقاً متصورة من أشخاص ثلاثة هم: 1- عضو الادعاء العام ممثلاً للحق العام. 2- المحامي بصفته وكيلاً عن الخصوم سواء كان محامي المتهم أو المجني عليه أو المدين بالحق المدني أو المسؤول عنه. 3- الخصم نفسه إذا لم يقم وكيلاً عنه.
    ومراعاة لشرط البحث المتعلق بعدد صفحاته, وتركيزاً للجهد في الوصول إلى ما يصبو إليه الباحث وما يعنيه ومجموعته في عملهم في المقام الأول، فلقد رأيت الاقتصار على تناول الموضوع من جهة مرافعة أعضاء الادعاء العام فقط.
    سيبدأ البحث بتوطئة أعرض فيها لتاريخ المرافعة والتفريق بينها وبين المرافعة المدنية.
    ثم سنتناول موضوع البحث من خلال أربعة مطالب رئيسة مقسمة على النحو الآتي:

    المطلب الأول نخصصه لبحث ضرورة المرافعة , وأحاول التوسع فيه لأن الاقتناع بضرورة المرافعة سيدفع القارئ الكريم إما إلى مواصلة قراءة البحث بعناية أو طي دفتيه. وسيقع المطلب في فرعين يكون الأول لبحث الجانب القانوني لضرورة المرافعة والثاني لبحث ضرورتها الأدبية.

    وفي المطلب الثاني أتناول تعريف المرافعة لغة واصطلاحاً وأسهم في الموضوع بمحاولة لوضع تعريف دقيق للمرافعة.

    وفي المطلب الثالث أعرض لبناء المرافعة وأقسمه إلى ثلاثة أفرع يكون الأول لدراسة لغة المرافعة والثاني لبيان عناصرها والثالث لإظهار أساليبها.

    وأخصص المطلب الرابع لآداب المرافعة محاولاً تحديد الأساسي منها على شكل نقاط متوالية. وقد راعيت قدر المستطاع تسلسل الموضوع عند ترتيب المباحث ليكون اللاحق منها مكملاً لفكرة السابق.

    أخيراً... وبعد ما تفتحت عيني على عظم شأن هذا الموضوع وتوافقه مع اتجاهي وميولي فإني عازم على أن يكون لهذا العمل ما بعده عملاً وقولاً.
    وقبل البدء أقول:-

    وأن تجد عيباً فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا(1)



    ملاحظة:

    خدم هذا البحث باستبيان أجريته على شريحة مكونة من بعض أصحاب الفضيلة المشايخ القضاة, وأعضاء ادعاء عام, ومحامين, وأفراد من الجمهور. وقد طرحت فيه أسئلة متعلقة ببعض محاور البحث لاستجلاء آراء المستجبين حولها بقدر ما يعينني على بحث ومناقشة المسائل الخلافية, توفيراً للوقت والجهد الذي قد يبذل في المقابلات الشخصية وعناية بأخذ قدر معلوم من الآراء في هذا المجال وقد ألحقت بالبحث عينة من هذا الاستبيان تحت الملحق الأول.
    كما أخترت للقارئ الكريم مرافعات من الأدب القضائي العماني والمصري والفرنسي لما أعتبره تطبيقاً عملياً للقواعد العامة المتعلقة بعلم المرافعة, وألحقته بالبحث تحت الملحق الثاني.











    (1) النافذة الصغيرة من الجدار المطلة على الخارج.

    (1) البيت لأبي القاسم الحريري صاحب المقامات


    توطئة

    عُرفت المرافعات القضائية منذ عصور قديمة جداً, فلقد اشتهر بها البابليون والكلدانيون والفرس, وعرفها اليهود على زمن موسى عليه السلام, كما عرفها الإغريق واعتبروها من أسمى المهن ولا يتولاها منهم غير الشرفاء, وكذلك عند الرومان فقد بلغ من شأن المرافعة كفن من فنون الخطابة عندهم أن جعلوها المؤهل لتولي رئاسة الجمهورية, وعُرف منهم أقطاب في المرافعة مثل شيشرون ويوليوس قيصر وغيرهم(1) ولقد تلقفها الغربيون وعلى رأسهم الفرنسيين في العصور الوسطى وبرعوا فيها أمثال رويير وباربو, وامتدت بطبيعة الحال إلى وقتنا الحاضر.
    أما عن المرافعة عند العرب, ففي الجاهلية كان يمكن للمتخاصمين أن يكلفوا شفهياً من يشاؤون لتمثيلهم أمام من يمارس القضاء سواء كان شيخاً أو ملكاً أو حكماً. وكان هؤلاء الوكلاء يعرضون قضية موكلهم بفصاحة وبلاغة فـَدُعوا (حُجَّاج) أي أقوياء الحجة (2), ولم تكن هذه المرافعة بالمعنى القانوني المعروف اليوم.
    أما في ظل الإسلام فلم تتضح معالمٌ لمرافعات قضائية في التراث الإسلامي رغم أن البيان العربي مؤهل كل التأهيل للبلاغة القضائية! ورغم أن العرب في ظل الإسلام استفادوا من علوم الإغريق والرومان في الفلسفة والطب وغيرها من العلوم ! ولكن لماذا لم يأخذوا عنهم الخطابة القضائية؟؟ سؤال لم ينقل له التراث العلمي الإسلامي جواباً (3).
    أما في العصر الحديث عند العرب فظهرت المرافعة القضائية بالمفهوم المعاصر ابتداءً في مصر إبان عهود الانتداب الفرنسي لها, وتلقاها المصريون فبرعوا فيها وبذوا أقرانهم وكان منهم أعلام مبرزون كأمثال سعد زغلول, وإبراهيم الهلباوي, وعبدالعزيز باشا فهمي وغيرهم كثر من السابقين والمحدَثين, ومنها إلى جميع الأقطار العربية التي خرجت من تحت ولاية الدولة العثمانية فظهر فيها التنظيم القانوني الحديث بعد التحول من نظام القوانين العرفية إلى نظام دولة القانون والمؤسسات, ومنها بطبيعة الحال السلطنة بعد بزوغ فجر النهضة المباركة وإرساء دعائم الدولة الحديثة بالتشريعات القانونية سيما المتعلقة بنظام الخصومة والتقاضي.
    على أن المعني بهذا البحث هي المرافعات الجزائية القائمة على مبادئ كمبدأ شفوية إجراءات المحاكمة, وقناعة القاضي الوجدانية, وعلانية الجلسات, وغيرها. تفريقاً لها عن المرافعات المدنية التي تكون على شكل مذكرات مكتوبة يسطر فيها كل طرف من أطراف الخصومة ما يريده, فيسلم منها نسخة لمحكمة الموضوع وأخرى لخصمه الآخر، ليرد عليه الأخير بنفس الطريقة دون أن يلزم التقاؤهما وتقارعهما شفاهة أمام قاضي الموضوع.
    كما أن للادعاء العام دور محدود في الدعوى المدنية - كما جاء بقانون الإجراءات المدنية والتجارية - لا تكون فيه مرافعة شفوية.




    المطلب الأول : ضرورة المرافعة

    سنعرض لدراسة ضرورة المرافعة في فرعين نخصص الأول لاستجلاء ضرورتها من الناحية القانونية من واقع النصوص القانونية التي عنيت بالأمر ثم في المطلب الثاني نستبين ضرورتها من الناحية الأدبية من الشريعة الغراء والتراث.

    الفرع الأول: ضرورة المرافعة من الناحية القانونية
    لقد وضع النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 101/96 القواعد الأساسية لبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون. ونظم الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين, ووضع آليات وضمانات لتنفيذ ذلك منها أن أناط بالادعاء العام مهمة تولي الدعوى العمومية ومباشرتها حين نص في المادة (64) منه على أن: يتولى الادعاء العام الدعوى العمومية باسم المجتمع, ويشرف على شؤون الضبط القضائي ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام, ويرتب القانون الادعاء العام وينظم اختصاصاته , ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفه)
    وفعلاً صدر قانون الادعاء العام رقم 97/99 وبين مهام الادعاء العام فلقد جاء في المادة (1) منه: " يتولى الادعاء العام الدعوى العمومية باسم المجتمع ويشرف على شؤون الضبط القضائي ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام وغير ذلك من الاختصاصات التي يقرها القانون".
    ثم جاء قانون الإجراءات الجزائية ليقر تلك الإختصاصات المذكورة ويبين جميع الإجراءات القانونية العملية التي يجب على الادعاء العام التصرف بموجبها قِبَلَ الدعوى العمومية ومنه ما ورد في المادة (4) حيث جاء فيها " يختص الادعاء العام برفع الدعوى العمومية ومباشرتها أمام المحكمة المختصة".
    ثم جاء وقرر أن الادعاء العام إذا أحال الدعوى إلى المحكمة المختصة فإنه يقوم بمباشرتها أمام تلك المحكمة حتى صدور حكم فيها سواء بالبراءة أم بالإدانة , ومن خلال تلك المباشرة يستطيع تقديم الطلبات وابداء ما يرى من أقوال وعلى المحكمة واجب سماع أقواله والفصل في طلباته. (م 178 إج) وله مناقشة الشهود وتوجيه ما يراه من الأسئلة لهم سواء أكانوا شهود نفي أم أثبات ( م 197 إج )(1).
    وعلى ضوء ذلك فإن المشرع أوجب حضور عضو الادعاء العام لصحة تشكيل المحكمة ( م 178 إج ) ومتى كان حضوره واجباً فإن أداءه لواجبه يكون واجباً عليه كذلك(2).
    ومن هنا كانت حتمية المرافعة ثابته بنص القانون, بل أن نص المادة آنفة الذكر 178 وسياق عباراتها تؤكدان ذلك إذ أوجبت على المحكمة أن تسمع أقوال عضو الادعاء العام وتفصل فيها(3) .
    " وفي هذا الشأن فإن لقضاء النقض مقولة وردت في (مجموعة الأحكام الجنائية, السنة الخامسة, المكتب الفني لمحكمة النقض, القاعدة 43, في الصحيفة 132) بخصوص الواقعة الآتية : محكمة إستئنافية سمعت الشهود وسمعت المرافعة وأجلت النطق بالحكم أسبوعاً, وحين حل موعد النطق بالحكم تغيّر التشكيل فكان من قاضيين ممن سمعوا المرافعة وانضم إليهم قاض جديد مكان القاضي الغائب وبدلاً من إعادة إجراءات المحاكمة أمام الهيئة بتشكيلها الجديد قررت فتح باب المرافعة والحكم آخر الجلسة. وفي آخر الجلسة صدر الحكم دون أن تسمع مرافعة , عرض هذا الحكم على محكمة النقض فوصمته بالبطلان, لأن الهيئة بتشكيلها الجديد لم تسمع المرافعة "(1)
    وبصدور التعليمات القضائية للإدعاء العام بالسلطنة وكونها أُفردت للمرافعة باباً خاصاً فقد صرحت المادة (168) لأعضاء الادعاء العام بأمر مباشر حيث نصت على الآتي:" على أعضاء الادعاء العام ضرورة المرافعة أمام المحاكم لما لها من أهمية في إظهار الحقيقة وتأكيد ثقة المجتمع في حكم الإدانة الذي يصدر بعد عرض الادعاء العام لأدلة الثبوت في الدعوى(2).
    الفرع الثاني: من الناحية الأدبية
    عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر, وإنكم تختصمون لدي, ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, فأقضي له على نحو ما أسمع, فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه, فإنما اقتطع له قطعة من النار" (3)
    وفي هذا القول أبلغ الدلالة على أن القاضي من شأنه أن يتأثر بطريقة عرض الخصوم لدعواهم مهما بلغ من التحوط والحيدة , وأنه ربما يقضي لغير صاحب الحق كما أشار الحديث الشريف, عليه فلابد لعضو الادعاء العام وهو ينهض بمسؤولية الدفاع عن حق المجتمع أن يقابل لحن (1) دفاع المتهم بلحن أفضل منه إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل.
    هذا علاوة على أن المرافعة الشفوية تمكن القضاة من الوقوف على دقائق الدعوى ومغزى ما تتضمنه الأوراق, وتبث الحياة والحركة في إجراءات الدعوى وتكسب الجلسات الروعة والبهجة التي تجذب الجمهور والمتقاضين فتحقق رقابتهم على سير العدالة, ولقد جاءت التعليمات القضائية للإدعاء العام بالسلطنة لتؤكد هذه المعاني(2).
    هذا علاوة على أنه من المبادئ المقررة في الفقه والقانون مبدأ شفوية إجراءات المحاكمة (3) و يصح القول أن عماد هذه الإجراءات هو المرافعة إذ أن مبدأ الشفوية هو الأساس المنطقي لمبادئ أخرى تسود نظام المحاكمة الجنائية في القانون الحديث. فهو السبيل إلى تطبيق مبدأ المواجهة بين الخصوم, فلكي يتاح لكل طرف في الدعوى أن يواجه خصمه بما لديه من أدلة ويعرف ما لدى الخصم منها, ويبدي رأيه فيها, يتعين أن تعرض هذه الأدلة شفهياً في الجلسة وتدور في شأنها المناقشة بين أطراف الدعوى, وأكدت ذلك محكمة النقض المصرية بقولها: "من المقرر في قواعد تحقيق الجنايات أن المحكمة لا تكون اعتقادها على وجه العموم إلا من المرافعة الشفوية التي تحصل أمامها" (1).
    ومن هذا نستنتج أن مبدأ الشفوية متصل بمبدأ الاقتناع القضائي . إذ أن القاضي يستمد قناعته من جملة المناقشات التي تجري أمامه. كما أن مبدأ الشفوية أيضاً يحقق رقابة للمحكمة على أعمال التحقيق الابتدائي, فما تولد عنه من أدلة تقدره المحكمة وتزنه أثناء عرضه عليها, ومناقشته شفوياً أمامها.
    " وقد رتب المشرع جزاء البطلان على مخالفة مبدأ الشفوية في إجراءات المحاكمة".(2)

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مايو 21, 2018 4:43 am